بـالـعـــــقــل

'الوحدوي'.. تأملات في مسيرة الشيخ زايد آل نهيان
الأحد 6/5/2018 الساعة 9:51 مساء
مصطفي بكري

الحلقة الأولي
تحل اليوم في السادس من مايو هذا العام، الذكري المئوية لميلاد حكيم العرب الشيخ  زايد بن سلطان آل نهيان '1918 - 2018'، حيث أقيمت الاحتفالات والندوات والمهرجانات الشعبية والرسمية في كافة أنحاء العالم العربي، تخليدًا لذكراه وتأملًا لمسيرته الوحدوية والتنموية التي حظيت باهتمام بالغ في كافة الأوساط المحلية والقومية والدولية.

وإذا كان الشيخ زايد آل نهيان 'رحمة الله عليه' قد نجح في تحقيق نقلة نوعية في بلاده علي مستوي التنمية والتطوير والتحديث فإن تجربته ودوره في إنشاء دولة الاتحاد يعد الإنجاز الأهم في مسيرته السياسية والاجتماعية.

لقد نجح الشيخ زايد في التغلب علي كافة المصاعب والعقبات التي اعترضت ولادة هذا الاتحاد، الذي أسس لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971، واستطاع الحفاظ علي الدولة الوليدة بحكمته وقدرته علي إحداث التوازن بين الواقع الاجتماعي والقبلي ومؤسسات الحكم، وتحقيق التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغرس الانتماء الوطني في النفوس.

وفي هذه الحلقات يرصد الكاتب الصحفي الزميل مصطفي بكري بعضًا من فصول مسيرة الشيخ زايد في بناء الاتحاد الذي لا يزال يعد من أهم إنجازاته السياسية علي الاطلاق.

لم يكن الشيخ زايد بن سلطان حاكمًا بالفطرة كما يردد البعض، بل كان صاحب منهج ورؤية هي نتاج تاريخ طويل من التجارب والحكم امتد بجذوره إلي الأربعينيات، عندما كلفه شقيقه الشيخ 'شخبوط' بمهمة الحفاظ علي قوة ونفوذ قبيلة 'بني ياس' التي ينتمي إليها في مدينة العين، ومنحه نعت ممثل الحاكم في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1946، وقد سعي في هذه الفترة إلي التوفيق بين كافة أطراف القبيلة الواسعة النفوذ والانتشار، وتوحيدها، مستخدمًا في ذلك لغة الحوار والتفاهم التي يجيدها، وقدرته التأثيرية وحكمته ومرونته في التعامل مع الأزمات والمشكلات.

لقد نجح الشيخ زايد طيلة هذه الفترة وما أعقبها في التواصل مع العديد من القبائل الأخري، ليشكل بذلك نموذجًا للتعامل بين الجميع، ويكون دومًا مرجعية مهمة في إنهاء المشكلات والخلافات التي كانت تطرأ بين الحين والآخر بين القبائل وبعضها البعض..

وعندما صعد دوره في الفترة من 1962 حتي عام 1966 عندما تولي مقاليد الحكم في أبو ظبي، فقد كان الشيخ زايد يتحرك وفق رؤية شاملة تقوم علي عدد من العناصر الأساسية أهمها السعي إلي تحقيق التنمية والرفاهية في البلاد، خاصة بعد تدفق النفط عام 62، والاهتمام بالتحديث والمضي قدمًا إلي الأمام، وصياغة مفهوم متكامل للوحدة السياسية في البلاد ومع الإمارات الأخري الواقعة في منطقة الخليج.

ولا شك أن خبرة الشيخ زايد، التي جاءت نتاج دوره البارز في لم شمل قبيلة 'بني ياس' التي تزعمتها أسرته بإجماع أبنائها، كان لها الدور الأهم في فترة حكمه لإمارة أبو ظبي.

لقد نجح الشيخ زايد خلال هذه التجربة التي سبقت وصوله للحكم في 'أبو ظبي' في استعادة نفوذ جده زايد الكبير الذي حكم خلال الفترة من '1855 - 1909' واستطاع توحيد القبيلة والكيان رغم الصعوبات والنزعات الانفصالية لدي البعض، وبعد وفاته تراجع نفوذ القبيلة بسبب الفوضي التي سادت بغياب 'زايد الكبير' وظل الحل هكذا لعقود من الزمن، إلي أن جاء الشيخ زايد بن سلطان ليضع رؤية شاملة تقوم علي التوافق والتوفيق، وتوحد الكيانات القبلية المختلفة، وتمنع تداعي هذه الأحداث مستقبلًا.

كان مفهوم الوحدة في رؤية الشيخ زايد له جانبه السياسي والأخلاقي والتنموي، ورغم مهارته السياسية ووعيه بالواقع، إلا أنه كان يري أن أي تجربة وحدوية لن يكتب لها النجاح إلا إذا قرأت الواقع قراءة صحيحة، لتأخذ مسارها الطبيعي المتدرج، مع مراعاة الخصائص الاجتماعية للكيانات المختلفة.

وقد كانت علاقة الشيخ زايد بالقبائل المختلفة في المنطقة، وحكمته في التعامل، قد وفرت له أكبر قاعدة شعبية يمكن الارتكان إليها في أية تحركات سياسية، ذلك أن الثقة التي تولدت بحكم الزمن، كان لها دورها الفاعل في الخطوات التي تلت توليه حكم إمارة أبو ظبي في منتصف الستينيات.

وليس أدل علي ذلك من التقرير الذي بعث به 'لي دنزمور' القنصل الأمريكي العام في الظهران بالمملكة العربية السعودية إلي حكومة بلاده في نوفمبر 1968، والذي تحدث فيه عن أول لقاء جمعه بالشيخ زايد الحاكم الجديد لإمارة أبو ظبي بقوله: 'إن الشيخ زايد يعتبر وبكل موضوعية رجلًا ذا قوة يحسب لها ألف حساب، بفضل ذكائه وثرائه، ورغبته في تسخير الثروة لخدمة مواطنيه'.

وقال: 'إن الشيخ زايد رجل مفعم بالحيوية، قادر علي اجتذاب مستمعيه بحديثه المشوق الذي يستخدم فيه ايماءاته وتعبيرات وجهه ببراعة، ويورد دائمًا قصصًا ومواقف حدثت بالفعل ليشرح فكرته ويؤيدها'.

لقد كان كل من التقوا الشيخ زايد في الفترات التاريخية المختلفة يخرجون بهذا الانطباع، الذي يؤكد وعي الرجل وخبرته وأخلاقياته وفهمه العميق لمفهوم الشرف الذي يحكم طبيعة العلاقات بين البدو، وقدرته علي الإقناع بالحجة والمنطق والتمسك بكلمة الشرف في كل مواقفه.

ويتسم مفهوم الوحدة عند الشيخ زايد بجوهر الوجود الإنساني ذاته، وضمان تقدمه، وليس بمصلحة سياسية ضيقة الأفق، وقد أدرك أن ذلك يستدعي إزالة الخلافات والانقسامات بين شعوب الأرض، والتي كان يري أنها السبب الأساسي وراء ضعف البنية الاجتماعية التي تحول دون تقدم المجتمعات.

عندما بدأ الشيخ زايد ينظر إلي خارج حدود إمارة أبو ظبي أدرك أن الخيار الوحيد لنهوض هذه المنطقة هي في وحدتها وتكاتفها، غير أنه كان يعرف جيدًا من خلال التباينات القبلية والاجتماعية أن الطريق صعب وشائك ومعقد، وأن عوامل عديدة تتجاذبه، وأن حدة الاستقطاب تكاد تعصف ببنيانه، إلا أنه كان علي ثقة أن عقيدة الإيمان بوحدة الهدف واستخدام الأساليب المناسبة لتحقيقه قادرة علي تحقيق الإنجاز ونجاح المشروع.

لقد أدرك الشيخ زايد بعد حوارات ومفاوضات متعددة مع العديد من رموز القبائل وحكام الإمارات، أن الفهم الصحيح يقول إن الخطوة الأولي يجب أن تبدأ بالاتفاق بينه وبين حاكم إمارة دبي 'الشيخ راشد آل مكتوم'، ومن هنا سعي إلي البحث عن أرضية مشتركة، ووجد لدي الشيخ راشد رؤية ثاقبة، وحرص علي مشروع الاتحاد، وعبر مفاوضات عديدة تناولت كافة الأمور المطروحة في الحاضر والمستقبل، تم الوصول إلي اتفاقية تضمنت الإعلان عن إقامة الاتحاد بين الإماراتين، وجري توقيعها في 18 فبراير 1968.

لقد أحدثت هذه الاتفاقية ردود فعل واسعة النطاق لدي الإمارات الخليجية المختلفة، بل وخارجها، ومن ثم فقد فتحت الباب واسعًا أمام نجاح المفاوضات التي كانت تجري في هذا الوقت مع هذه الإمارات لإقامة اتحاد أشمل بينها جميعًا.

ولقد وجد النداء الذي وجهه الشيخ زايد آل نهيان والشيخ راشد آل مكتوم إلي هذه الإمارات تأييدًا واسعًا لدي الإمارات التسع في البداية، 'الإمارات الحالية وقطر والبحرين'، فوقعت اتفاقية 27 فبراير 1968، والتي تقضي بالتعاون لإقامة اتحاد يجمع بينها جميعًا.

وعلي مدي ثلاث سنوات من الحوار الصعب كان الشيخ زايد يسعي إلي إزالة كافة العقبات التي تعترض طريق الاتحاد بين الإمارات المختلفة، واجه فيها مشكلات متعددة، إلا أنه اضطر للتدخل الحاسم، فاقتصر الاتحاد علي الإمارات السبع بعيدًا عن قطر والبحرين اللتين كانتا لهما رؤي مختلفة في هذا الوقت، وفي الثاني من ديسمبر 1971 تم الإعلان عن الدولة الجديدة التي ضمت ست إمارات فقط، ثم سرعان ما انضمت إليها إمارة رأس الخيمة بعد ذلك.

ومنذ هذا الوقت بدأ الشيخ زايد عملية التنمية الشاملة في الدولة الوليدة بعد انتخابه رئيسًا لها، ووضع كافة إمكانات أبو ظبي ومواردها تحت تصرف دولة الاتحاد الجديد.

وقد سعي الشيخ زايد منذ البداية إلي إزالة مخاوف بعض حكام الإمارات المنضمة للاتحاد من تجريدهم من سلطاتهم في الحكم والإدارة، إلا أن الشيخ زايد كان واضحًا ومرنًا منذ البداية في إدارة ملفات الدولة والحرص علي استقلالية الإمارات المشاركة في الاتحاد في العديد من الملفات الخاصة بشئون الحكم فيها.

لقد تأسست الدولة في عام 1971، وكان الشيخ زايد يحدو منذ البداية إلي تغيير نمط التفكير المتأصل والمتوارث منذ عقود طويلة من الزمن في إطار العلاقة التقليدية بين الحاكم والمواطن.

وكان يدرك أن نجاح الدولة الوليدة هو في غرس الانتماء الوطني وتأكيد دور الحكومة المركزية وعلاقتها بالشعب، منطلقًا من أن قدرة الحكومة علي الإدارة وتوفير الحاجات الضرورية لشعب الإمارات من شأنه أن يؤكد مفهوم العلاقة الجديدة التي سعي الشيخ زايد إلي ترسيخها في نفوس وعقول المواطنين.

وأمام هذا التطور السريع والأسس التي رسخ لها في علاقة الدولة بالمواطنين قررت إمارة رأس الخيمة الانضمام إلي دولة الإمارات العربية المتحدة في العاشر من فبراير عام 1972 وأعلنت قبولها بالدستور الموقت للاتحاد.

لقد مثلت هذه الخطوة نقطة تحول مهمة في مسيرة الاتحاد، ونجاح لمساعي الشيخ زايد ولمشروعه الوحدوي، الذي بات مشروعًا فريدًا في العالم العربي بعد إخفاق العديد من التجارب الوحدوية.

لقد كان إيمان الشيخ زايد وصبره وتفانيه في الأداء هو العامل الأساسي في التغلب علي الكثير من المصاعب التي اعترضت طريق الاتحاد ولذلك لم يجد غضاضة أن يوجه خطابًا إلي إخوانه الحكام قال فيه: 'إن مسيرة الاتحاد تنمو وتتقدم من مرحلة إلي أخري، وفي كل مرحلة علينا أن نراجع ما تحقق.. حتي نواصل المسيرة ونسرع الخطي لتحقيق آمال شعبنا.. إن أمتنا تنتظر منا أن نحقق لها ما يسعدها، وأن ننتقل بها إلي ما هو أفضل'.

لقد واجه الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة تحديات كبيرة للحفاظ علي الدولة الوليدة وترسيخ أقدامها علي الأرض، خاصة أنها تتكون من إمارات متفاوتة في درجة تطورها الاجتماعي والاقتصادي.

ولذلك سعي منذ البداية إلي توزيع عوائد النفط علي الإمارات التي توجد بها ندرة في الموارد الاقتصادية، خاصة تلك الإمارات التي تعيش في الإمارات الشمالية وتحديدًا في المناطق الصحراوية.

لقد شكل الشيخ زايد حالة استثنائية فريدة، حيث كان يتمتع بتأييد شعبي عارم، خاصة أن أبناء شعبه أدركوا عن يقين أن رئيس الدولة يعمل علي تأمين مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم ورفع مستوي معيشتهم وتحديث إماراتهم.

لقد أطلق شعب الإمارات علي الشيخ زايد وصف 'أبو الأمة' بعد أن أدركت الجماهير حجم الجهود التي يبذلها من أجل تدعيم الاتحاد وتنمية الإمارات والسعي إلي الحفاظ علي هوية كل إمارة واستقلالها الذاتي تحت مظلة الاتحاد الذي حقق تجربة وحدوية صمدت في مواجهة العواصف والعراقيل.

إن وعي الشيخ زايد بالتباينات الاجتماعية بين إمارات الاتحاد وقراءاته للمشهد منذ فترة مبكرة جعلته قادرًا علي استيعاب الخلافات والمشكلات المؤقتة والعمل علي حلها بروية وهدوء، وتجاوزها بحكمة وموضوعية، ولذلك فإن اطلاق مسمي 'حكيم العرب' عليه لم يأت من فراغ، وإنما لقدرته ونجاحاته في التعامل بحكمة ووعي، مكن الاتحاد من الصمود منذ 1971 حتي اليوم.

ولم يكن نجاح الشيخ زايد في الحفاظ علي الاتحاد وبنيته مبني علي أسباب عاطفية أو مصلحية فحسب، بل بقدرته علي زرع وغرس قيم الوحدة وأهميتها في قلوب وعقول جميع مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد كان يحلو للشيخ زايد 'رحمة الله عليه' أن يؤكد الهوية الوطنية الجديدة لأبناء الإمارات بالقول: 'نحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد، لا عن خبرة، بل عن إيمان بأمتنا، إيمان بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة'.

وكان يقول: 'أنا لا أفرض الوحدة علي أحد، هذا استبداد، كل منا له رأيه المختلف عن رأي الآخر، نحن نتبادل الآراء والأفكار ونصهرها في بوتقة واحدة ثم نستخلص جوهرها، هذه هي ديمقراطيتنا، إنها ديمقراطية الوحدة'.

لقد ظل الشيخ زايد طيلة مسيرته يؤكد ضرورات بناء الدولة ونهضتها وترسيخ مفاهيم الانتماء الوطني مع قبول الخصائص الفردية التي تتميز بها كل إمارة علي حدة.

وفي نفس الوقت يعطي أولوية مهمة لمفهوم 'الأمن القومي' والمرتبط بالأبعاد الخارجية للسياسة الدفاعية والعلاقات الدولية، ولذلك كان يتعامل مع هذه القضايا في إطار يضمن الحفاظ علي كيان الدولة وتوطيد أركانها مع الحرص علي التمسك بالثوابت والقيم الأساسية في التعامل مع السياسة الخارجية والدفاعية، وهو ما يحرص عليه أبناؤه من قادة الإمارات في الوقت الحالي.

إن المعجزة الحقيقية في تجربة 'الاتحاد' هي في تلك المنظومة التي رسخ ثوابتها الشيخ زايد، وباتت هي الإطار المستمر لديمومة الاتحاد وحتي الآن، وهي القائمة علي تحقيق التطور والتغيير بمعدلات متسارعة في الوقت الذي تراعي فيه عوامل التماسك والاستقرار والتوازن الاجتماعي، ذلك أن تحويل المجتمعات القبلية إلي دولة عصرية بات في مقدمة الدول الآن، أمر غير عادي، وفرض استثنائي لا يستطيع أن يحققه إلا قائد استثنائي أجمع عليه شعب الإمارات بكافة اتجاهاته الاجتماعية والقبلية والسياسية.

لم يكن الشيخ زايد حاكمًا 'فرديًا' يأمر فيطاع، كما كان شائعًا في المنطقة في هذه الفترة، بل سعي منذ البداية إلي تفعيل دور المؤسسات الاتحادية مع احترام دور الهياكل المحلية في كل إمارة، بما يحتوي في النهاية ديمقراطية القرار والإدارة الجماعية لشئون الدولة.

لقد كان الشيخ زايد يدرك أن عامل الزمن هو في صالح تلك الدولة الوليدة، ولذلك كان يدرك عن يقين أن عناصر التباين بين الإمارات السبع المكونة للاتحاد، سرعان ما تتلاشي وتتضاءل مع تعاقب الأجيال، وتوفير الآلية الفاعلة للتكيف مع تطورات العصر وخلف دولة حديثة تقوم علي أسس وثوابت المواطنة بين أبناء الوطن بأسره.

وتتجلي حكمة الشيخ زايد في إطار هذا المشروع في قدرته النافذة علي كسب ثقة حكام الإمارات الذين انخرطوا في إطار المجلس الأعلي للدولة، وبين ثقة الشعب الإماراتي وولائه للدولة وقائدها، خاصة بعد أن لمس الجميع حكمة الإدارة والدعم المؤسسي ومشاريع التنمية والنهوض التي شملت الإمارات المكونة للاتحاد جميعها.

لقد قامت فلسفة الشيخ زايد في دعم الاتحاد واستمراره علي عاملين أساسيين:

- تفعيل دور الفرد 'الرجل والمرأة' بما يحقق الاستثمار الأمثل للطاقة البشرية.

- تفعيل دور المؤسسات الجديدة التي باتت العامل المهم في نهوض الدولة، والإمساك بمفاتيح التطور لبناء دولة عصرية.

كان الشيخ زايد يمتلك إرادة سياسية، وقدرة علي اتخاذ القرار قائمة علي أسس معرفية واستراتيجية وفي ذات الوقت كانت لديه قدرة غريبة علي المزج بين صناعة القرار والإدارة الرشيدة وبين تأكيد الدور الاجتماعي والتنموي للدولة في إطار الاتحاد وانعكاس ذلك علي الحياة المعيشية للمواطنين.

ولم يكن اهتمام الشيخ زايد بإنشاء بنية تحتية حديثة، وربط الإمارات المختلفة بشبكة واسعة من الطرق والبدء في المشروعات التنموية علي أرضها، إلا بمثابة ترسيخ لأهمية الاتحاد في ذهنية أبناء شعبه، الذي تأقلم مع الخطة الجديدة وتفاعل معها.

وكان بناء جيش موحد للإمارات المختلفة هو خطوة ضرورية للحفاظ علي الاتحاد والدفاع عن الأمن القومي للدولة التي واجهت مخاطر متعددة، خاصة من إيران الدولة المجاورة والتي احتلت ثلاثًا من الجزر الإماراتية المهمة 'أبو طنب الكبري وأبو طنب الصغري وأبو موسي'.

وقد استطاع هذا الجيش الاتحادي في بداية تكوينه من سحق المؤامرة الانقلابية التي أدت إلي مصرع الشيخ خالد القاسمي حاكم إمارة الشارقة وتحديدًا في يناير 1972، والاعتراف بالشيخ سلطان القاسمي حاكمًا شرعيًا للإمارة، وهو أمر كان له أثره الكبير وكان بمثابة رسالة لكل من شككوا في الاتحاد وجدواه.

وعندما وجد الشيخ زايد أن هناك اعتراضات علي توحيد قوات الأمن والدفاع بعد نحو خمس سنوات من ولادة دولة الإمارات والعمل بالدستور المؤقت، قرر تقديم استقالته من رئاسة الاتحاد في ديسمبر 1976، وهو أمر لقي معارضة شديدة من شعب الإمارات وحكامها، مما دفعهم جميعًا إلي القبول بمقترح الشيخ زايد وإضافة بند إلي الدستور المؤقت يمنح الدولة الاتحادية وحدها دون غيرها حق إنشاء القوات المسلحة.

وكان عام 1979 نقطة فاصلة في تاريخ هذا الاتحاد، إذ انطلقت مظاهرات تطالب بالوحدة الكاملة بين الإمارات، إلا أن تولي الشيخ راشد آل مكتوم منصب رئيس الوزراء إلي جانب منصب نائب رئيس الدولة كان له أثره ودوره في إثراء المسيرة وضمان المزيد من التماسك لدولة الاتحاد وتطوير أدائها.

مصطفي بكري يكتب: 'الوحدوي'.. تأملات في مسيرة الشيخ زايد آل نهيان

الحلقة الأولي

حلت أمس في السادس من مايو هذا العام، الذكري المئوية لميلاد حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان '1918 - 2018'، حيث أقيمت الاحتفالات والندوات والمهرجانات الشعبية والرسمية في كافة أنحاء العالم العربي، تخليدًا لذكراه وتأملًا لمسيرته الوحدوية والتنموية التي حظيت باهتمام بالغ في كافة الأوساط المحلية والقومية والدولية.

وإذا كان الشيخ زايد آل نهيان 'رحمة الله عليه' قد نجح في تحقيق نقلة نوعية في بلاده علي مستوي التنمية والتطوير والتحديث فإن تجربته ودوره في إنشاء دولة الاتحاد يعد الإنجاز الأهم في مسيرته السياسية والاجتماعية.

لقد نجح الشيخ زايد في التغلب علي كافة المصاعب والعقبات التي اعترضت ولادة هذا الاتحاد، الذي أسس لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971، واستطاع الحفاظ علي الدولة الوليدة بحكمته وقدرته علي إحداث التوازن بين الواقع الاجتماعي والقبلي ومؤسسات الحكم، وتحقيق التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغرس الانتماء الوطني في النفوس.

وفي هذه الحلقات يرصد الكاتب الصحفي الزميل مصطفي بكري بعضًا من فصول مسيرة الشيخ زايد في بناء الاتحاد الذي لا يزال يعد من أهم إنجازاته السياسية علي الاطلاق.

لم يكن الشيخ زايد بن سلطان حاكمًا بالفطرة كما يردد البعض، بل كان صاحب منهج ورؤية هي نتاج تاريخ طويل من التجارب والحكم امتد بجذوره إلي الأربعينيات، عندما كلفه شقيقه الشيخ 'شخبوط' بمهمة الحفاظ علي قوة ونفوذ قبيلة 'بني ياس' التي ينتمي إليها في مدينة العين، ومنحه نعت ممثل الحاكم في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1946، وقد سعي في هذه الفترة إلي التوفيق بين كافة أطراف القبيلة الواسعة النفوذ والانتشار، وتوحيدها، مستخدمًا في ذلك لغة الحوار والتفاهم التي يجيدها، وقدرته التأثيرية وحكمته ومرونته في التعامل مع الأزمات والمشكلات.

لقد نجح الشيخ زايد طيلة هذه الفترة وما أعقبها في التواصل مع العديد من القبائل الأخري، ليشكل بذلك نموذجًا للتعامل بين الجميع، ويكون دومًا مرجعية مهمة في إنهاء المشكلات والخلافات التي كانت تطرأ بين الحين والآخر بين القبائل وبعضها البعض..

وعندما صعد دوره في الفترة من 1962 حتي عام 1966 عندما تولي مقاليد الحكم في أبو ظبي، فقد كان الشيخ زايد يتحرك وفق رؤية شاملة تقوم علي عدد من العناصر الأساسية أهمها السعي إلي تحقيق التنمية والرفاهية في البلاد، خاصة بعد تدفق النفط عام 62، والاهتمام بالتحديث والمضي قدمًا إلي الأمام، وصياغة مفهوم متكامل للوحدة السياسية في البلاد ومع الإمارات الأخري الواقعة في منطقة الخليج.

ولا شك أن خبرة الشيخ زايد، التي جاءت نتاج دوره البارز في لم شمل قبيلة 'بني ياس' التي تزعمتها أسرته بإجماع أبنائها، كان لها الدور الأهم في فترة حكمه لإمارة أبو ظبي.

لقد نجح الشيخ زايد خلال هذه التجربة التي سبقت وصوله للحكم في 'أبو ظبي' في استعادة نفوذ جده زايد الكبير الذي حكم خلال الفترة من '1855 - 1909' واستطاع توحيد القبيلة والكيان رغم الصعوبات والنزعات الانفصالية لدي البعض، وبعد وفاته تراجع نفوذ القبيلة بسبب الفوضي التي سادت بغياب 'زايد الكبير' وظل الحل هكذا لعقود من الزمن، إلي أن جاء الشيخ زايد بن سلطان ليضع رؤية شاملة تقوم علي التوافق والتوفيق، وتوحد الكيانات القبلية المختلفة، وتمنع تداعي هذه الأحداث مستقبلًا.

كان مفهوم الوحدة في رؤية الشيخ زايد له جانبه السياسي والأخلاقي والتنموي، ورغم مهارته السياسية ووعيه بالواقع، إلا أنه كان يري أن أي تجربة وحدوية لن يكتب لها النجاح إلا إذا قرأت الواقع قراءة صحيحة، لتأخذ مسارها الطبيعي المتدرج، مع مراعاة الخصائص الاجتماعية للكيانات المختلفة.

وقد كانت علاقة الشيخ زايد بالقبائل المختلفة في المنطقة، وحكمته في التعامل، قد وفرت له أكبر قاعدة شعبية يمكن الارتكان إليها في أية تحركات سياسية، ذلك أن الثقة التي تولدت بحكم الزمن، كان لها دورها الفاعل في الخطوات التي تلت توليه حكم إمارة أبو ظبي في منتصف الستينيات.

وليس أدل علي ذلك من التقرير الذي بعث به 'لي دنزمور' القنصل الأمريكي العام في الظهران بالمملكة العربية السعودية إلي حكومة بلاده في نوفمبر 1968، والذي تحدث فيه عن أول لقاء جمعه بالشيخ زايد الحاكم الجديد لإمارة أبو ظبي بقوله: 'إن الشيخ زايد يعتبر وبكل موضوعية رجلًا ذا قوة يحسب لها ألف حساب، بفضل ذكائه وثرائه، ورغبته في تسخير الثروة لخدمة مواطنيه'.

وقال: 'إن الشيخ زايد رجل مفعم بالحيوية، قادر علي اجتذاب مستمعيه بحديثه المشوق الذي يستخدم فيه ايماءاته وتعبيرات وجهه ببراعة، ويورد دائمًا قصصًا ومواقف حدثت بالفعل ليشرح فكرته ويؤيدها'.

لقد كان كل من التقوا الشيخ زايد في الفترات التاريخية المختلفة يخرجون بهذا الانطباع، الذي يؤكد وعي الرجل وخبرته وأخلاقياته وفهمه العميق لمفهوم الشرف الذي يحكم طبيعة العلاقات بين البدو، وقدرته علي الإقناع بالحجة والمنطق والتمسك بكلمة الشرف في كل مواقفه.

ويتسم مفهوم الوحدة عند الشيخ زايد بجوهر الوجود الإنساني ذاته، وضمان تقدمه، وليس بمصلحة سياسية ضيقة الأفق، وقد أدرك أن ذلك يستدعي إزالة الخلافات والانقسامات بين شعوب الأرض، والتي كان يري أنها السبب الأساسي وراء ضعف البنية الاجتماعية التي تحول دون تقدم المجتمعات.

عندما بدأ الشيخ زايد ينظر إلي خارج حدود إمارة أبو ظبي أدرك أن الخيار الوحيد لنهوض هذه المنطقة هي في وحدتها وتكاتفها، غير أنه كان يعرف جيدًا من خلال التباينات القبلية والاجتماعية أن الطريق صعب وشائك ومعقد، وأن عوامل عديدة تتجاذبه، وأن حدة الاستقطاب تكاد تعصف ببنيانه، إلا أنه كان علي ثقة أن عقيدة الإيمان بوحدة الهدف واستخدام الأساليب المناسبة لتحقيقه قادرة علي تحقيق الإنجاز ونجاح المشروع.

لقد أدرك الشيخ زايد بعد حوارات ومفاوضات متعددة مع العديد من رموز القبائل وحكام الإمارات، أن الفهم الصحيح يقول إن الخطوة الأولي يجب أن تبدأ بالاتفاق بينه وبين حاكم إمارة دبي 'الشيخ راشد آل مكتوم'، ومن هنا سعي إلي البحث عن أرضية مشتركة، ووجد لدي الشيخ راشد رؤية ثاقبة، وحرص علي مشروع الاتحاد، وعبر مفاوضات عديدة تناولت كافة الأمور المطروحة في الحاضر والمستقبل، تم الوصول إلي اتفاقية تضمنت الإعلان عن إقامة الاتحاد بين الإماراتين، وجري توقيعها في 18 فبراير 1968.

لقد أحدثت هذه الاتفاقية ردود فعل واسعة النطاق لدي الإمارات الخليجية المختلفة، بل وخارجها، ومن ثم فقد فتحت الباب واسعًا أمام نجاح المفاوضات التي كانت تجري في هذا الوقت مع هذه الإمارات لإقامة اتحاد أشمل بينها جميعًا.

ولقد وجد النداء الذي وجهه الشيخ زايد آل نهيان والشيخ راشد آل مكتوم إلي هذه الإمارات تأييدًا واسعًا لدي الإمارات التسع في البداية، 'الإمارات الحالية وقطر والبحرين'، فوقعت اتفاقية 27 فبراير 1968، والتي تقضي بالتعاون لإقامة اتحاد يجمع بينها جميعًا.

وعلي مدي ثلاث سنوات من الحوار الصعب كان الشيخ زايد يسعي إلي إزالة كافة العقبات التي تعترض طريق الاتحاد بين الإمارات المختلفة، واجه فيها مشكلات متعددة، إلا أنه اضطر للتدخل الحاسم، فاقتصر الاتحاد علي الإمارات السبع بعيدًا عن قطر والبحرين اللتين كانتا لهما رؤي مختلفة في هذا الوقت، وفي الثاني من ديسمبر 1971 تم الإعلان عن الدولة الجديدة التي ضمت ست إمارات فقط، ثم سرعان ما انضمت إليها إمارة رأس الخيمة بعد ذلك.

ومنذ هذا الوقت بدأ الشيخ زايد عملية التنمية الشاملة في الدولة الوليدة بعد انتخابه رئيسًا لها، ووضع كافة إمكانات أبو ظبي ومواردها تحت تصرف دولة الاتحاد الجديد.

وقد سعي الشيخ زايد منذ البداية إلي إزالة مخاوف بعض حكام الإمارات المنضمة للاتحاد من تجريدهم من سلطاتهم في الحكم والإدارة، إلا أن الشيخ زايد كان واضحًا ومرنًا منذ البداية في إدارة ملفات الدولة والحرص علي استقلالية الإمارات المشاركة في الاتحاد في العديد من الملفات الخاصة بشئون الحكم فيها.

لقد تأسست الدولة في عام 1971، وكان الشيخ زايد يحدو منذ البداية إلي تغيير نمط التفكير المتأصل والمتوارث منذ عقود طويلة من الزمن في إطار العلاقة التقليدية بين الحاكم والمواطن.

وكان يدرك أن نجاح الدولة الوليدة هو في غرس الانتماء الوطني وتأكيد دور الحكومة المركزية وعلاقتها بالشعب، منطلقًا من أن قدرة الحكومة علي الإدارة وتوفير الحاجات الضرورية لشعب الإمارات من شأنه أن يؤكد مفهوم العلاقة الجديدة التي سعي الشيخ زايد إلي ترسيخها في نفوس وعقول المواطنين.

وأمام هذا التطور السريع والأسس التي رسخ لها في علاقة الدولة بالمواطنين قررت إمارة رأس الخيمة الانضمام إلي دولة الإمارات العربية المتحدة في العاشر من فبراير عام 1972 وأعلنت قبولها بالدستور الموقت للاتحاد.

لقد مثلت هذه الخطوة نقطة تحول مهمة في مسيرة الاتحاد، ونجاح لمساعي الشيخ زايد ولمشروعه الوحدوي، الذي بات مشروعًا فريدًا في العالم العربي بعد إخفاق العديد من التجارب الوحدوية.

لقد كان إيمان الشيخ زايد وصبره وتفانيه في الأداء هو العامل الأساسي في التغلب علي الكثير من المصاعب التي اعترضت طريق الاتحاد ولذلك لم يجد غضاضة أن يوجه خطابًا إلي إخوانه الحكام قال فيه: 'إن مسيرة الاتحاد تنمو وتتقدم من مرحلة إلي أخري، وفي كل مرحلة علينا أن نراجع ما تحقق.. حتي نواصل المسيرة ونسرع الخطي لتحقيق آمال شعبنا.. إن أمتنا تنتظر منا أن نحقق لها ما يسعدها، وأن ننتقل بها إلي ما هو أفضل'.

لقد واجه الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة تحديات كبيرة للحفاظ علي الدولة الوليدة وترسيخ أقدامها علي الأرض، خاصة أنها تتكون من إمارات متفاوتة في درجة تطورها الاجتماعي والاقتصادي.

ولذلك سعي منذ البداية إلي توزيع عوائد النفط علي الإمارات التي توجد بها ندرة في الموارد الاقتصادية، خاصة تلك الإمارات التي تعيش في الإمارات الشمالية وتحديدًا في المناطق الصحراوية.

لقد شكل الشيخ زايد حالة استثنائية فريدة، حيث كان يتمتع بتأييد شعبي عارم، خاصة أن أبناء شعبه أدركوا عن يقين أن رئيس الدولة يعمل علي تأمين مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم ورفع مستوي معيشتهم وتحديث إماراتهم.

لقد أطلق شعب الإمارات علي الشيخ زايد وصف 'أبو الأمة' بعد أن أدركت الجماهير حجم الجهود التي يبذلها من أجل تدعيم الاتحاد وتنمية الإمارات والسعي إلي الحفاظ علي هوية كل إمارة واستقلالها الذاتي تحت مظلة الاتحاد الذي حقق تجربة وحدوية صمدت في مواجهة العواصف والعراقيل.

إن وعي الشيخ زايد بالتباينات الاجتماعية بين إمارات الاتحاد وقراءاته للمشهد منذ فترة مبكرة جعلته قادرًا علي استيعاب الخلافات والمشكلات المؤقتة والعمل علي حلها بروية وهدوء، وتجاوزها بحكمة وموضوعية، ولذلك فإن اطلاق مسمي 'حكيم العرب' عليه لم يأت من فراغ، وإنما لقدرته ونجاحاته في التعامل بحكمة ووعي، مكن الاتحاد من الصمود منذ 1971 حتي اليوم.

ولم يكن نجاح الشيخ زايد في الحفاظ علي الاتحاد وبنيته مبني علي أسباب عاطفية أو مصلحية فحسب، بل بقدرته علي زرع وغرس قيم الوحدة وأهميتها في قلوب وعقول جميع مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد كان يحلو للشيخ زايد 'رحمة الله عليه' أن يؤكد الهوية الوطنية الجديدة لأبناء الإمارات بالقول: 'نحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد، لا عن خبرة، بل عن إيمان بأمتنا، إيمان بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة'.

وكان يقول: 'أنا لا أفرض الوحدة علي أحد، هذا استبداد، كل منا له رأيه المختلف عن رأي الآخر، نحن نتبادل الآراء والأفكار ونصهرها في بوتقة واحدة ثم نستخلص جوهرها، هذه هي ديمقراطيتنا، إنها ديمقراطية الوحدة'.

لقد ظل الشيخ زايد طيلة مسيرته يؤكد ضرورات بناء الدولة ونهضتها وترسيخ مفاهيم الانتماء الوطني مع قبول الخصائص الفردية التي تتميز بها كل إمارة علي حدة.

وفي نفس الوقت يعطي أولوية مهمة لمفهوم 'الأمن القومي' والمرتبط بالأبعاد الخارجية للسياسة الدفاعية والعلاقات الدولية، ولذلك كان يتعامل مع هذه القضايا في إطار يضمن الحفاظ علي كيان الدولة وتوطيد أركانها مع الحرص علي التمسك بالثوابت والقيم الأساسية في التعامل مع السياسة الخارجية والدفاعية، وهو ما يحرص عليه أبناؤه من قادة الإمارات في الوقت الحالي.

إن المعجزة الحقيقية في تجربة 'الاتحاد' هي في تلك المنظومة التي رسخ ثوابتها الشيخ زايد، وباتت هي الإطار المستمر لديمومة الاتحاد وحتي الآن، وهي القائمة علي تحقيق التطور والتغيير بمعدلات متسارعة في الوقت الذي تراعي فيه عوامل التماسك والاستقرار والتوازن الاجتماعي، ذلك أن تحويل المجتمعات القبلية إلي دولة عصرية بات في مقدمة الدول الآن، أمر غير عادي، وفرض استثنائي لا يستطيع أن يحققه إلا قائد استثنائي أجمع عليه شعب الإمارات بكافة اتجاهاته الاجتماعية والقبلية والسياسية.

لم يكن الشيخ زايد حاكمًا 'فرديًا' يأمر فيطاع، كما كان شائعًا في المنطقة في هذه الفترة، بل سعي منذ البداية إلي تفعيل دور المؤسسات الاتحادية مع احترام دور الهياكل المحلية في كل إمارة، بما يحتوي في النهاية ديمقراطية القرار والإدارة الجماعية لشئون الدولة.

لقد كان الشيخ زايد يدرك أن عامل الزمن هو في صالح تلك الدولة الوليدة، ولذلك كان يدرك عن يقين أن عناصر التباين بين الإمارات السبع المكونة للاتحاد، سرعان ما تتلاشي وتتضاءل مع تعاقب الأجيال، وتوفير الآلية الفاعلة للتكيف مع تطورات العصر وخلف دولة حديثة تقوم علي أسس وثوابت المواطنة بين أبناء الوطن بأسره.

وتتجلي حكمة الشيخ زايد في إطار هذا المشروع في قدرته النافذة علي كسب ثقة حكام الإمارات الذين انخرطوا في إطار المجلس الأعلي للدولة، وبين ثقة الشعب الإماراتي وولائه للدولة وقائدها، خاصة بعد أن لمس الجميع حكمة الإدارة والدعم المؤسسي ومشاريع التنمية والنهوض التي شملت الإمارات المكونة للاتحاد جميعها.

لقد قامت فلسفة الشيخ زايد في دعم الاتحاد واستمراره علي عاملين أساسيين:

- تفعيل دور الفرد 'الرجل والمرأة' بما يحقق الاستثمار الأمثل للطاقة البشرية.

- تفعيل دور المؤسسات الجديدة التي باتت العامل المهم في نهوض الدولة، والإمساك بمفاتيح التطور لبناء دولة عصرية.

كان الشيخ زايد يمتلك إرادة سياسية، وقدرة علي اتخاذ القرار قائمة علي أسس معرفية واستراتيجية وفي ذات الوقت كانت لديه قدرة غريبة علي المزج بين صناعة القرار والإدارة الرشيدة وبين تأكيد الدور الاجتماعي والتنموي للدولة في إطار الاتحاد وانعكاس ذلك علي الحياة المعيشية للمواطنين.

ولم يكن اهتمام الشيخ زايد بإنشاء بنية تحتية حديثة، وربط الإمارات المختلفة بشبكة واسعة من الطرق والبدء في المشروعات التنموية علي أرضها، إلا بمثابة ترسيخ لأهمية الاتحاد في ذهنية أبناء شعبه، الذي تأقلم مع الخطة الجديدة وتفاعل معها.

وكان بناء جيش موحد للإمارات المختلفة هو خطوة ضرورية للحفاظ علي الاتحاد والدفاع عن الأمن القومي للدولة التي واجهت مخاطر متعددة، خاصة من إيران الدولة المجاورة والتي احتلت ثلاثًا من الجزر الإماراتية المهمة 'أبو طنب الكبري وأبو طنب الصغري وأبو موسي'.

وقد استطاع هذا الجيش الاتحادي في بداية تكوينه من سحق المؤامرة الانقلابية التي أدت إلي مصرع الشيخ خالد القاسمي حاكم إمارة الشارقة وتحديدًا في يناير 1972، والاعتراف بالشيخ سلطان القاسمي حاكمًا شرعيًا للإمارة، وهو أمر كان له أثره الكبير وكان بمثابة رسالة لكل من شككوا في الاتحاد وجدواه.

وعندما وجد الشيخ زايد أن هناك اعتراضات علي توحيد قوات الأمن والدفاع بعد نحو خمس سنوات من ولادة دولة الإمارات والعمل بالدستور المؤقت، قرر تقديم استقالته من رئاسة الاتحاد في ديسمبر 1976، وهو أمر لقي معارضة شديدة من شعب الإمارات وحكامها، مما دفعهم جميعًا إلي القبول بمقترح الشيخ زايد وإضافة بند إلي الدستور المؤقت يمنح الدولة الاتحادية وحدها دون غيرها حق إنشاء القوات المسلحة.

وكان عام 1979 نقطة فاصلة في تاريخ هذا الاتحاد، إذ انطلقت مظاهرات تطالب بالوحدة الكاملة بين الإمارات، إلا أن تولي الشيخ راشد آل مكتوم منصب رئيس الوزراء إلي جانب منصب نائب رئيس الدولة كان له أثره ودوره في إثراء المسيرة وضمان المزيد من التماسك لدولة الاتحاد وتطوير أدائها.

التعليقات
أضف تعليق