تقاريــر

16 مايو.. الأمم المتحدة تحيي لأول مرة اليوم العالمي للعيش معًا في سلام
السبت 12/5/2018 الساعة 5:39 صباحا
في حب مصر

تحيي منظمة الأمم المتحدة لأول مرة اليوم العالمي للعيش معًا في سلام، حيث صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة علي القرار  130/72 في ديسمبر 2017، باعتبار 16 مايو يوما عالميا للعيش في سلام، حيث يهدف الاحتفال إلي ترقية المصالحة والعيش معا في سلام والتسامح والتعايش السلمي والتناغم والتفاهم والاحترام المتبادل بدون تمييز عرقي أو جنسي أو ثقافي أو حضاري أولغوي أو ديني، وقد حظيت مبادرة الجزائر التي تندرج في إطار جهود ترقية قيم ثقافة السلم والمصالحة علي المستوي الدولي بموافقة 172 بلدا.
كما عينت الجمعية العامة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة 'اليونيسكو' كهيئة دولية مكلفة بتسهيل عملية إحياء هذا اليوم العالمي للعيش معا بسلام، بالتعاون مع الهيئات الأخري المختصة، وجدد ممثل الجزائر الدائم لدي منظمة الأمم المتحدة، السفير صبري بوقادوم، خلال تقديمة لهذه المبادرة في الجلسة العلنية للجمعية العامة، تمسك الجزائر بثقافة السلم والمصالحة الوطنية والتضامن، مذكرا بأن الجزائر تقع في ملتقي متعدد الثقافات والديانات والحضارات التي صاغت ماضيها وشكلت أساس حاضرها وتواصل صياغة مستقبلها، وخلال الجلسة العلنية للمصادقة علي هذه اللائحة، أشادت العديد من البلدان بأهمية هذا الاقتراح، معربة عن شكرها لمبادرة الجزائر التي قدمتها علي مستوي الأمم المتحدة كمساهمة تهدف إلي ترقية ثقافة السلم والمصالحة.
ويعتبر تعريف العيش في سلام، وهو مصطلح سياسي يعني استبعاد ورفض الحرب كوسيلة لتسوية الخلافات بين الدول، ويشجع علي العمل علي حل المشكلات بالطرق السلمية، كالحوار والمفاوضات، فالتعايش هو الوجود المشترك لجماعتين متناقضتين في محيط واحد، ولكن التعايش قد يكون سلميًا أو قد لا يكون سلميًا، فالتعايش السلمي معناه أن تعيش الجماعتان جنبًا إلي جنب، دون أن تعتدي إحداهما علي الأخري.
إن العالم مملوء بالجماعات والفئات المتناقضة والمتصارعة، فالفئات الموجودة والمتعايشة في عالمنا تسمي أنظمة أو دولا، وهذه الدول أو الأنظمة المختلفة إما أن تتعايش سلميًا وإما أن تتعايش بصورة غير سلمية، ولكن الأنظمة التي وجدت علي الكرة الأرضية منذ نشأة المجتمع الإنساني علي الأرض حتي اليوم أنظمة تعايشت تعايشا غير سلمي، إذ إن الحكومات القائمة في العالم لها مصالح مختلفة وتريد كل منها الاستيلاء علي مصالح البلدان القريبة منها أو البعيدة عنها، حدث ذلك حتي حين كانت المجتمعات البشرية عبارة عن مجموعات صغيرة من الصيادين.
وبالرجوع إلي المعني اللغوي لكلمة التعايش نجد أن معني تعايشوا: أي عاشوا علي الألفة والمودة، ومنه التعايش السلمي، وعايشه: عاش معه، والعيش معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب والدخل، فالتعايش، بهذا الفهم الموضوعي لطبيعته ولرسالته، هو اتفاق الطرفين علي تنظيم وسائل العيش - أي الحياة - فيما بينهما وفق قاعدة يحددانها معاُ بالاتفاق، وتمهيد السبل المؤدية إليه، إذ أن هناك فارقًا بين أن يعيش الإنسان مع نفسه، وأن يتعايش مع غيره، ففي الحالة الأخيرة يقرر المرء أن يدخل في عملية تبادلية مع طرف ثان، أو مع أطراف أخري، تقوم علي التوافق حول مصالح، أو أهداف، أو ضرورات مشتركة.
وتنص ديباجة الميثاق التأسيسي لليونسكو علي ما يلي، لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبني حصون السلام، وأُنشئت اليونسكو في عام 1945 من أجل الاستجابة لاعتقاد راسخ لدي الأمم صاغته حربان عالميتان خلال أقل من جيل واحد مفاده أن الاتفاقات السياسية والاقتصادية لا تكفي لبناء سلام دائم، فالسلام يجب أن يُشيّد استنادًا إلي التضامن الأخلاقي والفكري للبشرية، إن نمو التحديات العالمية، من قبيل عدم المساواة والاستبعاد والعنف والطائفية، أفضي إلي إثارة تعصب اجتماعي متوقع يدفع بالبشرية إلي العزلة، أما الدور التي تضطلع به اليونسكو لتنفيذ مهمتها الإنسانية الأساسية يوميًا لدعم الشعوب في فهم بعضها البعض وللعمل معًا لبناء سلام دائم فقد بات النقطة المحورية في تشييد عالم يتسم بمزيد من الأمان حفاظًا علي التنوع ومن أجل الأجيال المقبلة، ولن يتم ذلك إلا من خلال التعليم والعلوم والثقافة والاتصال والمعلومات، وتعزيز السلام في كافة مجالات عمل المنظمة.
وفي عام 1989، تم وضع مفهوم ثقافة السلام في مؤتمر اليونسكو الدولي الذي عقد تحت عنوان 'السلام في عقول الرجال'، في ياموسوكرو 'كوت ديفوار'. وفي هذه المناسبة، اعتمدت اليونسكو رؤية مفادها أن السلام إنما هو أمر يذهب أبعد بكثير من انتهاء نزاع مسلح، فمن خلال التعليم والتفاهم، يكتسب الأفراد مزيدًا من الكفاءات في التفاعل بين الثقافات تمكنهم من إدراك الثراء الذي يتسم به عالم متنوع، مما يوفر لهم أدوات لبناء السلام الدائم، فيصبحون بالتالي قادرين علي تقدير التنوع، بدلًا من نبذه، وعلي إدارة النزاعات وفقًا لقيم التعددية والفهم المتبادل.
وسعيًا إلي تحقيق هذا الهدف، عملت اليونسكو باستمرار علي وضع برامج ترمي إلي تعليم التنوع وفهم ما هو غير مألوف، أو تستهدف تمكين المجتمعات من العمل معًا وتعزيز ممارسات التعاون السليمة، وعقب مؤتمر ياموسوكرو، أنشأت اليونسكو جائزة فيليكس هوفويه - بوانيي للسعي للسلام، وهي الجائزة التي تكافئ الأشخاص الأحياء أو الهيئات أو المؤسسات العامة والخاصة التي أسهمت بشكل كبير في السعي إلي السلام وصونه والحفاظ عليه، وكان أول فائزين بهذه الجائزة هما نيلسون مانديلا، الذي شغل منصب رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي آنذاك، ثم منصب سفير النوايا الحسنة لليونسكو، والسيد وليام دي كليرك، رئيس جمهورية جنوب أفريقيا.
وقد منحا هذه الجائزة في عام 1991 لمساهمتهما في إقرار السلام الدولي وتكريمًا لما قاما به لتوجيه شعبهما نحو التفاهم والتغلب علي الأحكام المسبقة التي لم يكن الكثيرون يعتقدون أنها ممكنة حتي منذ سنوات قلائل، وبعد عامين، فازا بجائزة نوبل للسلام، وهو ما يدل دلالة واضحة علي سبق اليونسكو في تكريمهما، وقد حصل الكثيرون ممن فازوا بجوائز اليونسكو علي جائزة نوبل المرموقة.
ويمثل التعليم أمرًا حيويًا للتوصل إلي تقبل جميع الناس واحترامهم بغض النظر عن اللون ونوع الجنس، وعن الأصل أو الهوية الوطنية أو الإثنية أو الدينية، ولهذا التقبل والاحترام أهمية خاصة بالنسبة إلي الأطفال والشباب أثناء سنوات تكوينهم، ويمكن تحقيقهما من خلال إلحاقهم بالتعليم النظامي، ومن ثم، استهل مشروع آخر في عام 2012، وهو مشروع 'تعليم احترام الجميع' الذي شاركت في وضعه اليونسكو والولايات المتحدة والبرازيل، والذي يرمي إلي تصميم إطار للمناهج الدراسية لمكافحة العنصرية وتعزيز التسامح يمكن للبلدان تكييفه وفقًا لسياقاتها واحتياجاتها، وفي سبتمبر 2014، عادت ثقافة السلام إلي منبعها في قلب أفريقيا، فقد احتفلت اليونسكو وكوت ديفوار بأصل المفهوم الذي انطلق في ياموسوكرو منذ 25 عامًا والذي غير طريقة فهمنا للسلام، وكان لهذا الحدث هدفان هما قياس التقدم المحرز منذ عام 1989 واستكشاف السبل المستقبلية.

التعليقات
أضف تعليق