رحيل بوتفليقة أم رحيل النظام؟
الأحد 7/4/2019 الساعة 8:36 مساء
صالح أبو مسلم

شهدت الجزائر وعاصمتها يوم الجمعة الماضي حراكًا شعبيًا كبيرًا خرج خلاله ملايين الجزائريين إلي المدن وشوارع  العاصمة الجزائرية لمواصلة الاحتجاجات الأسبوعية الحاشدة التي تُنظَّم منذ 22 فبراير الماضي 2019 من أجل تغيير النظام برمته وسط ثورة بيضاء جديدة.وكانت الاحتجاجات الشعبية قد تفجرت في بادئ الأمر بالجزائر بسبب خطة بوتفليقة للترشح لفترة خامسة في انتخابات الرئاسة التي كان مقررًا لها يوم 18 من أبريل الجاري. وبرغم إعلان الرئيس بوتفليقة استقالته الأسبوع الماضي بعد مواجهة احتجاجات حاشدة ضد حكمه، إلا أن قائمة المطالب اتسعت لدي المحتجين لتشمل دعوات من أجل تغيير جذري، والمطالبة بإصلاحات ديمقراطية بعد قرابة 60 عاما من حكم قدامي المحاربين الذين خاضوا حرب الاستقلال عن فرنسا بين عامي 1954 و1962، وبذلك تصبح الجزائر في يد حكومة تصريف أعمال لحين إجراء انتخابات في غضون ثلاثة أشهر دون أن يكون هناك خليفة واضح في الأفق للرئيس، مع تأكيد المحتجين وإصرارهم علي عدم قبول رئيس جديد من النظام، ومطالبتهم باستقالة عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة الذي سيتولي مهام بوتفليقة لمدة 90 يوما، ونور الدين بدوي رئيس حكومة تصريف الأعمال باعتباره أحد دعائم النظام الحاكم، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، والمطالبة بإبعاد كل الرموز السياسية القديمة ومحاكمة الفاسدين الذين أهدروا المال العام وأضروا بالحياة الاجتماعية والسياسية للبلاد والتصدي للمحسوبية الممنهجة، ومواصلة الاحتجاجات السلمية لإحداث التغيير الذي يصبو إليه الشعب الجزائري
وأمام تلك المطالب صادرت السلطات الجزائرية جوازات سفر 12 رجل أعمال لهم صلات بمؤسسة الحكم ويخضعون للتحقيق في مزاعم فساد، إذ يصر المحتجون الذين خرجوا بالملايين علي رفض المسار الانتقالي المفترض الذي يحدده الدستور إثر استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ويعدون بمواصلة تظاهرات ضخمة لتحقيق السقوط الكامل للنظام، بداية بإزاحة ما يسمي بالباءات الثلاثة التي يقصد بها 'عبد القادر بن صالح' الذي يرأس مجلس الأمة منذ 16 عامًا بفضل بوتفليقة، و'الطيب بلعيز' الذي ظل وزيرًا لمدة 16 عامًا شبه متواصلة ويرأس المجلس الدستوري للمرة الثانية في مسيرته، و'نور الدين بدوي' الذي تولي مهام رئاسة الحكومة المؤقتة في 11 مارس الماضي 2019، الذي كان وزيرًا للداخلية والذي يُنْظر له من قِبل المتظاهرين باعتباره مهندس التزوير الانتخابي وعدو الحريات، وكذلك المطالبة بإبعاد كل الذين يُعَدّون من الشخصيات المحورية في عهد بوتفليقة وإبعادهم عن قيادة المرحلة الانتقالية، وضرورة ذهاب كل النظام ورموزه وزبانيته.
وذلك بعد إقالة رئيس المخابرات العامة اللواء عثمان طرطاق من منصب المسئول الأول عن الاستخبارات الجزائرية الذي كان يشغله لتوضع المديريات الثلاث في جهاز الاستخبارات تحت وصاية نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، وكان للفريق قايد صالح الدور الأبرز في الضغط علي بوتفليقة من اجل الاستقالة. وفي ظل هذا المشهد، يظهر رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح الآن كرجل البلاد القوي بعدما فاز في المواجهة مع محيط بوتفليقة، وأجبر الأخير علي مغادرة السلطة في نهاية المطاف.
ومع قوة الجيش وانحيازه للجماهير، ومع ميلاد معارضة جزائرية جديدة يظل الشارع الجزائري بعد هذا الحراك اللاعب الجديد في الحياة السياسية، ولا نعرف الكثير حول نوايا الجيش بشأن إدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة والانضمام لمطالب الشعب، إلا أن الواقع علي الأرض يشير حتي الآن إلي وقوف الجيش مع الشعب في الإعلان عن تحقيق مطالبه، وعبر تواتر الأحداث فقد تولدت ثقة كبيرة عند الجزائريين في الجيش الذي يعول عليه في حركة الإصلاح الشاملة نحو جزائر جديدة ودستور جديد.