حكايات رمضانية
الأحد 12/5/2019 الساعة 9:35 مساء
تهاني تركي

نتحدث كثيرًا عن طيبة وتسامح ووسطية الشعب المصري، وهي صفات أعتقد أنها اكتسبت عبر محطات ومواقف كثيرة،  فالمصريون عبر التاريخ ضربوا المثل في كونهم نسيجا واحدا، لا تفصلهم ديانة ولا تباعد بينهم تخاريف الجهلاء، غير أنه للأسف جرت في النهر مياه كثيرة أسهم في تسربها عبر مسارات خلفية أصحاب الافكار المتطرفة الذين توغلوا في فترة من الزمن في ثنايا المجتمع، فأحدثوا تغييرا، لم نكن نتمناه يوما.

هناك من الأفكار التي ساهم في انتشارها الجهل، وادعاء التدين، وهي أفكار لم تكن موجودة بكل هذا الثقل منذ سنوات بعيدة، أعتقد انها كانت أكثر استنارة مما نحن عليه الآن، في نهار رمضان منذ أيام سمعت حديثا من سائق تاكسي يقطر تعصبا أعمي، فالرجل الذي يبدو أنه انتهي للتو من مشادة كلامية مع سيدة كانت تركب معه بصحبة طفلها، تحدث معي عن الواقعة التي ادعي ان صاحبتها من ديانة أخري، وأنها تعمدت استفزازه حتي يخسر صيامه في نهار رمضان، وأن هذه الطريقة يستخدمها آخرون وفي مناطق بعينها، وعندما ناقشته في مدي عقلانية ما يقول، أخد يقسم بأن هذا ما يتم وإن كنت لا أصدقة فعليَّ أن أسأل سائقين آخرين، حقيقة صدمني هذا الكلام، الذي أسمعه لأول مرة، لأنه علي الرغم من خطورته، إلا إنه أيضًا يعكس جوانب مظلمة من حياتنا، لا نلقي الضوء عليها إلا عندما تقع الكارثة.

الطائفية حديث ممجوج، والجهل آفة سيطرت علي كثير من العقول، وبالتالي أصبحت معظم مشاكلنا تدور في فلك واحد، فالمشكلة تترتب عليها أخري والتعليم هو الأساس الذي يتوقف عليه، أي تطور للإنسان، فالتعليم يرقي النفوس وينير العقول ويهذب السلوك، وإذا ما تلقي مثل هذا النموذج الذي تحدثت عنه، قدرا من التعليم، ما كان ليفكر بهذا المنطق المعوج، ومثله الذي يعتبر كثرة الإنجاب رزقا، والآخر الذي يعتبر زواج القاصرات سترا، وهكذا.

الجهل أيضًا عكس لنا ظاهرة، لم نعتدها من قبل، إلا وهي الإفطار في نهار رمضان جهارا نهارا، هذه الظاهرة التي خرجت من عقول لم تنل قسطا كافيا من التعليم ولا الوعي الديني، وبالتالي استهانت حتي بالمحرمات، وإذا كنا فيما قبل نضرب مثلا باحترام إخوتنا الأقباط لمشاعرنا في نهار رمضان، وامتناعهم عن الطعام والشراب في حضرة المسلمين الصائمين، فإننا اليوم ولا عجب نجد شبابا في العشرينيات من عمرهم، لا يبالون بنهار رمضان ولا بحرمة الشهر الفضيل، ويأكلون ويشربون ويدخنون السجائر، بلا أي حياء أو اهتمام.

التعصب يخرج من عباءة الجهل، فهو المصدر الرئيسي له، والجهل يورثنا تخلفا وتراجعا، ولذا علينا ان نتدارك هاتين الآفتين قبل أن نورث تعصبا لا نستطيع الفكاك من براثنه مهما حاولنا.. ورمضان كريم.