مـقـالات

السياحة الزراعية والشباب
الثلاثاء 5/6/2018 الساعة 12:46 صباحا
محمد علي البدوي

كثيرة هي الأنماط السياحية التي تميز مصر عن بقية بلدان العالم. ولعل أحدث تلك  الأنماط هو السياحة الزراعية، والتي لم تجد بعد الإنتشار والإهتمام اللائقين بنمط سياحي جديد، قد يكون نواة لتعبئة الرأي العام السياحي العالمي لنوع جديد من السياحة.
ما قصة السياحة الزراعية وكيف يمكن الإستفادة منها لزيادة عدد السائحين الوافدين الي بلادنا؟.
من المهم أولا أن نفهم أن الأنماط الجديدة للسياحة قد تكون وسيلة للتفرد ولجذب أنواع جديدة من السائحين والمهتمين.
فمن المعلوم أن الأنماط السياحية التقليدية وبخاصة الثقافية في تراجع مستمر نظرا لتغير طبيعة المجتمعات المصدرة للسياحة.
فالشباب في أوروبا بالتحديد لم تعد تستهويهم زيارة الأماكن الأثرية والتاريخية.
والسياحة لم تعد وسيلة للترفيه فقط، بل أضحت صناعة كبري تدر ملايين الدولارات علي الدول المصدرة والمستوردة للسياحة.
والسياحة الزراعية ليست بجديدة علي صانع السياحة، فلقد عرفها الأجداد الفراعنة عندما أرسلوا سفنهم إلي بلاد'بنت'لجلب بعض المواد العطرية والتوابل والأحجار الكريمة.
وترك لنا الأجداد الفراعنة مئات الوصفات الطبيعية كدليل حي علي إكتشاف الفراعنة لأهمية النباتات والاعشاب الطبيعية منذ آلاف السنين.
ولعل أبرز الأمثلة وضوحا هو قصة التحنيط واستخدام الأجداد لبعض المواد العطرية والاعشاب الطبيعية لحفظ المومياء وحمايتها من التلف.
وفي مصر بدأنا نلاحظ في الآونة الأخيرة بوادر لذلك النمط السياحي الفريد، حيث بدأت تنتشر في بعض مدننا السياحية فكرة الزراعة العضوية للنباتات الطبية النادرة، والتي لا تنمو إلا في جو صحراوي مشمس.

بالطبع هناك مزارع للنباتات العطرية والطبية منتشرة في ربوع مصر، ولكنها في الغالب تستهدف السوق المحلي، ومن كان يصدر منهم للخارج، فقد فكان ذلك مجرد اجتهاد شخصي لا يرتقي الي مستوي التوجه العام لخلق سياحة زراعية قادرة علي جذب الاستثمارات.
يحتاج هذا النوع من الزراعة إلي خبرة أهل الصحراء من البدو، لما لهم من دراية إكتسبوها عبر سنوات طويلة، وتوارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، فأصبح لديهم الخبرة في معرفة أي أنواع تلك النباتات يصلح للتداوي أو يصلح لأن يدخل في إنتاج المستحضرات الطبية والتجميلية.
لذلك لاحظت في بحثي حول السياحة الزراعية قيام نوع من الشراكة بين أصحاب تلك المزارع وبين بعض البدو ممن يمتلكون الخبرة في التعامل مع الأعشاب والنباتات الصحراوية.
ولكي نقول أن هناك سياحة زراعية يجب تعميم تلك الفكرة و مد يد العون لكل القائمين عليها، مع التوسع في تنفيذ تلك الفكرة في كل صحاري مصر المليئة بكنوز لم تستغل بعد.
الأمر الآخر هو ضرورة الترويج السياحي لتلك الفكرة في مختلف المحافل الأوروبية.

المؤكد أن هناك المئات من النباتات والأشجار التي تدخل في العديد من الصناعات الحديثة، ليست الطبية فقط بل صناعات عديدة منها 'البتروكيماويات، والعطور، ومستحضرات التجميل، والمبيدات الحشرية، والصابون والزيوت'ومن المؤكد أن المصانع العملاقة في أوروبا تسعي بكل جهد للحصول علي تلك النباتات بأي سعر، نظرا لإقبال المستهلك الاوروبي علي كل ما هو طبيعي، أو يدخل في صناعته مواد طبيعية.
إستخدم العرب ثمار نبات الحنضل أو'الحنظل' منذ عهود طويلة نظرا لقدرته الكبيرة علي علاج الروماتيزم وآلام العظام، والمثير للدهشة أن هذا النبات ينمو بكثرة في صحراء سيناء، وتشبه ثماره ثمار البرتقال في حجمها ولها لون يميل الي الاصفر الفاتح.
إعتاد البدو بيع تلك الثمار للمترددين علي صحاري سيناء من الأجانب كنوع من الأدوية المعالجة للآلام الروماتيزمية.وهناك 'شاي المرمرية وشاي الحبك والشمر والريحان والكراوية والكسبرة والبردقوش وحبة البركة واليانسون والشبت والكركديه والبقدونس وغيرهم الكثير'.

الفائدة الاقتصادية ستكون كبيرة لو ركزنا قليلا علي تدعيم تلك الزراعات، وإزالة العوائق امام المستثمر، نظرا لإقبال كل دول العالم علي شراء تلك المواد الطبيعية.
كلي يقين بأن تلك الزراعات يمكن أن تصبح بديلا لزراعة القطن، خاصة أن كل مقومات نجاحها متوفرة في مصر، من مساحات أراضي لا نهاية لها، إلي أيدي عاملة غير مكلفة ومناخ مناسب جدا للزراعة، وتوجه من الدولة لإقامة المشروعات الكبري لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
بل من الممكن أن يتم توزيع بعض الأراضي علي الشباب و تمويلهم وامدادهم بكل ما يحتاجونه حتي تأتي الأرض بثمارها، وبذلك تخلق شبابا منتجا قادرا علي المساهمة في نهضة بلاده.
الشباب يجلس علي المقاهي والدولة تقاتل من أجل توفير فرص العمل لهم فلماذا لا تتبني الدولة مثل تلك الفكرة التي ستفيد الطرفين.
الدول الأوروبية تستورد نباتات وأعشاب طبية بما يقارب ميزانية دول بأكملها.مليارات الدولارات يمكن أن تصل إلينا إن أردنا وصممنا علي تنمية السياحة الزراعية.
سيأتي إلينا الآلاف من رجال الأعمال، والآلاف من مديري شركات الأدوية وغيرها ومن الممكن أن يتم بناء مدن صناعية متكاملة المرافق بجوار مزارع المواد الطبية والعطرية فنوفر الآلاف من فرص العمل ونحارب الجهل والبطالة.
أرجوا أن تتبني الدولة هذا النمط الجديد من السياحة وأن توفر له الإمكانيات والبنية التحتية حتي تعم الفائدة ويستفيد أبناء مصر من خير بلادهم.
حفظ الله مصر جيشا وشعبا

التعليقات
أضف تعليق