كتاب الموقع

فقه الرشوة!
العدد 1084 السنة 22 الأثنين 13/8/2018 الساعة 9:09 صباحا
محمد السيسي

أعرف أن التعميم خطأ.. ولا يمكن أن نصـف مجتمعـًـا بأكمله بسوء الخلق أو انحراف السلوك، لكن أي منصف يدرك أن مجتمعنا يعاني الكثير من الأمراض، فقد تعرضنا لنظام حكم منذ سبعينيات القرن الماضي أو بالتحديد منذ اتفاقية كامب ديفيد، وصل بنا لما نحن فيه الآن، نظام أفسد مجتمعنا، وحول الكثيرين إلي مشوهين نفسيـًـا واجتماعيـًـا ومنحدرين أخلاقيـًـا.

لقد كشفت قضايا الفساد الأخيرة، من الوزير للمحافظ لمدير الجمارك لرئيس الحي، خطورة ما وصلـنــا إليه بفعــل 'أدبيات الرأسمالية المتوحشة' التي تفشت منــذ السبعينيات، وحوَّلت الرشوة من جريمة إلي 'شطارة'!.

نعم تحولت الرشوة - للأسف - مــــــن سلوك مسئول فاسد، ومواطن عديم الضمير، أو موظف يمر بضائقة مالية، علي طريقة أفلام السينما.. تحولت إلي نمط حياة، وحكمة وحسن تصرف، حتي أن بعض قضايا الرشوة، طلب فيها المتهمون رحلات 'حج' لزيارة بيت الله الحرام.

ولِمَ لا؟!.. فهـل ما قاموا بــــه حــــرام لا سمـح الله؟!.. هم فقط 'فـتَّحوا مخهم' وحاولوا تسهيل الأمور 'حبتين' علي السيد رجل الأعمال!!.

أنا لا أبرر الرشوة ولا أدافع عن مرتكبي هذه الجريمة، بوصفها أصبحت من طبائع الأمور، لكن أتمني أن ننظر للمسألة نظرة كلية، وأن نحدد المفاهيم بدقة، وأن ندرك حقيقة المشكلة، حتي ننجح في القضاء علي هذه الظاهرة.

ففي الوقت الذي يُجرًّم فيه القانون الرشوة، وتعلن فيه الدولة من خلال رجالها وكبار مسئوليها التصدي لهذه الظاهرة، بل تعقد المؤتمرات والندوات واللقاءات للبحث عن حل للمشكلة!!، تجد نفسك مطالبـًـا بشراء 'عشرين لـمبة نيون وباستلة بلاستيك، وفرخين صنفرة، ولوحين زجاج، ومقشة وخيشة وجردل، ومكتب لحضرة الناظر'!!.. حتي يحصل ابنك علي حقه ويفوز بمقعد في المدرسة، علي حساب تلميذ آخر لا يستطيع والده أن 'يفتـَّح مخه'، لضيق ذات اليد!!.

ولو اعترضت وقلت.. 'دي رشوة'، تجد من يرد عليك مستنكرًا: 'رشوة؟، مين قال لحضرتك كده؟ ظروف بلدنا صعبة، وكله علشان 'المحروس'!!.

وفي الوقت الذي يحذر فيه رجال المال والأعمال من خطورة انتشار الرشوة علي الاقتصاد، تجدهم أول من يبادرون بدفع الرشاوي، بل وضع 'فقهاء المحاسبة' في الميزانيات، 'الإكراميات' كبند أساسي من بنود الإنفاق في الشركات والـمصالح.. 'الشيء لزوم الشيء'!!.

وكما وجد السادة 'فقهاء المحاسبة' تخريجة لطيفة للظاهرة تتيح لهم تقفيل الميزانيات دون عجز أو زيادة.. بحث فقهاء الدين عن أسانيد شرعية تتيح للمواطن دفع الرشوة وهو مرتاح الضمير.. وأصبحت الرشوة في أوضاع معينة حددها رجال الدين، 'حلال.. حلال.. حلال'!!.

حتي في الانتخابات البرلمانية تجد سياسيين مرموقين يقدمون أنفسهم بوصفهم أصحاب الحلول السحرية للمشكلات التي يمر بها الوطن، ويطالبون الدولة بالتصدي للفساد، ثم يروجون لأنفسهم بتوفير عـــلاج 'فيروس سي' و'شوادر اللحوم'.

الأنكي من ذلك أن هناك من ينصحون الـمواطنين بالحصول علي 'الرشوة الانتخابية'، ثم اختيار 'الأصلح!' أمـام الصنــدوق، بمنطــق الـمستغلين 'نـفَّع واستنفع'!!، بدلا من أن ينصحوهم بالإبلاغ عن كل من يحاول رشوتهم وفضحه أمام الجميع.

بالطبع.. ما تقوم به هيئة الرقابة الإدارية، ومباحث الأموال العامة وغيرها من الأجهزة، أمر جيد ومحمود، ومحل تقدير من الجميع، لكن هذا وحده لا يكفي.. علينا أن نتخلص من ثقافة 'تسليع' أي شيء حتي الضمير، وأن نقف في وجه ثقافة 'الرأسمالية المتوحشة' وأدبياتها.

وقتها فقط، ستعود الرشوة كما كانت من قبل، جريمة وليست 'شطارة'.. وعلي الدولة أن تبدأ بنفسها أولا.

التعليقات
أضف تعليق