قـضـايـا

علي هامش الذكري الـ45 لحرب أكتوبر..
هكذا أذلت القوات المسلحة المصرية الجيش الإسرائيلي
العدد 1090 السنة 22 الأثنين 1/10/2018 الساعة 6:58 مساء
تقرير يكتبه: أحمد بديوي

فجأة، انطلقت صفارات الإنذار داخل الكيان الصهيوني، في السادس من أكتوبر، 1973، إثر هجوم كاسح علي الجبهتين المصرية، والسورية، فيما حكومة، جولدا مائير، لا تصدق ما يحدث، قبل أن تفيق 'مع وزير دفاعها موشيه ديان، ورئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، دافيد اليعازر' من وقع الصدمة علي تطورات داخلية متسارعة، أهمها، تشكيل لجنة 'أجرانات' '21 نوفمبر 1973' من رئيس قضاة المحكمة العليا، شيمون أجرانات، وعضوية: 'موشيه لاندو، وإسحاق نابينزال، ورؤساء الأركان السابقين في جيش الاحتلال، ييجال يادين وحاييم لاسكوف'، للتحقيق في الفضيحة التي مني بها الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973 التي نحتفل بالذكري الـ45 لها حالياً.
انتهت اللجنة إلي 'إقالة رئيس أركان الجيش، ورئيس شعبة المخابرات العسكرية، إيلي زعيرا، ومساعده للبحوث العسكرية، أرييه شيلو، إلي جانب قرارات أخري صادمة، بعد أكثر من 140 جلسة، استمعت خلالها لعشرات الشهود، وتسلمت مئات الشهادات المكتوبة، قبل أن تصدر قرارها '30 يناير 1975' في 1500 صفحة، لاتزال 1458 صفحة منها محاطة بالسرية التامة، كونها تكشف الخلل العسكري الضخم في جيش الاحتلال، وتؤكد براعة العسكرية المصرية، وإجهاضها لنظرية الأمن الإسرائيلية، خاصة عنصريْ القوة فيها 'سطوة القوات الجوية، والمخابرات'.
لم ترض قرارات لجنة 'أجرانات' 'المتعلقة بالمستوي العسكري' الإسرائيليين، ومن ثم انطلقت المظاهرات 'داخل الكيان' تهتف بسقوط جولدا مائير 'بصفتها، رئيس الحكومة، القائد الأعلي للقوات المسلحة الإسرائيلية' وموشيه ديان 'وزير الدفاع، القائد العام للقوات الإسرائيلية' قبل أن يقررا الاستقالة من منصبيهما، كرد فعل علي الانتصار المصري المؤزر، الذي لم تتوقف أصداؤه عند الداخل الإسرائيلي، بل لايزال يدرس في المعاهد، والأكاديميات العسكرية العالمية، لأسباب تستحق أن نتوقف أمامها سريعا.

مخطط
كانت نكسة يونيو 1967 عقابا من قوي 'المصالح الدولية'، للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعدما راح يبشّر بمصر الجديدة.. نفذوا مخطط كسر الزعيم، وإجهاض مشروع الدولة التي يبشر بها، ويبنيها بسواعد الشعب المصري.. ورغم أن النكسة حاولت إعادة مصر إلي داخل حدودها، إلا أن الفترة الممتدة من لحظات الانكسار 'المؤقتة' إلي الانتصار 'المدهش' في أكتوبر 1973، شهدت محطات حاسمة، بعدما احتلت 'إسرائيل' أراضي عربية جديدة 'تعادل 3 أضعاف مساحتها عام 1967'، مدعومة بضغوط أمريكية علي العرب لبدء 'تفاوض مباشر' مع إسرائيل، ينتهي بتنازلات عربية عن 'جنوب سيناء.. القدس.. مناطق بالضفة الغربية.. مرتفعات الجولان'.
أمام هذا التعنت رفع الرئيس عبد الناصر 'ومن خلفه القوات المسلحة المصرية' شعارا حاسما: 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة'، دون أن تغلق مصر الباب في وجه أي حل سلمي.. تم هذا بالتزامن مع خطة شاملة، وسريعة لإعادة بناء القوات 'تنظيما، وتسليحا، وتدريبا' مع تعبئة الجبهة الداخلية واستكمال مقومات تحرير سيناء، والتمسك بـ 'ألا يطلب أحد من القاهرة التفاوض مع تل أبيب، وهي تحتل سيناء، لأنه يمثل إذعانا وخضوعا لها، وألا يطلب أحد من مصر التنازل عن أرض عربية'.

معنويات
وظفت إسرائيل 'وحلفاؤها الدوليون، لاسيما الأمريكان' كل الوسائل في شن حرب نفسية ضارية ضد المصريين والعرب، عبر الترويج لــ الجــــيش الذي لا يقــهر.. خــط بارلــيف، كأكبر خط وحصن دفاعي عرفه العالم.. قناة السويس ستتحول إلي بحيرة من نيران بسبب أنابيب النابالم، وحقول الألغام.. '، فضلا عن الترويج لـ'الإسرائيليون آلهة الحرب الجدد.. التفوق التكنولوجي والجوي الطاغي.. دور المدفعية والقناصة، والنقاط القوية المحصنة ستحمي إسرائيل من أي هجوم مصري'، من هنا كان السؤال الذي فرض نفسه علي صانع القرار في مصر 'علي المستويين السياسي، والعسكري' بعد النكسة: هل نخطط، ونخوض حربا شاملة لتحرير سيناء بالكامل، أم حربا محدودة لدعم عملية تفاوض دبلوماسية؟!
انحاز 'تقدير الموقف' 'بحسب العديد من المعطيات: المحلية والإقليمية والدولية' لخيار 'الحرب الشاملة' من أجل تحرير الأرض، والثأر للعرض، في ضوء الدعم الأمريكي اللامحدود لـ'إسرائيل'، والتلكؤ الروسي 'عسكريا، ودبلوماسيا' مع دعم والتفاف العرب حول مصر، لاسيما بعد أن استوعبت الجبهة المصرية سريعا ما حدث في يونيو 1967، قبل أن يعبر الرأي العام 'محليا، ودوليا' عن دهشته من مخزون الإرادة القتالية المصرية، بعد إعلان تفاصيل معركة 'رأس العش'، في يولية 67، التي جددت الثقة في الجبهة الداخلية والقوات المسلحة المصرية علي السواء، عقب نجاح فصيلة صاعقة في صدَّ قوات إسرئيلية 'مدعومة بعربات مجنزرة، ودبابات' ومنعها من التقدم لاحتلال منطقة بورفؤاد.
وبدأت مصر حرب الاستنزاف 'عملية تصعيد وتهدئة لإيقاع أكبر كم من الخسائر في صفوف العدو، علي صعيد الأفراد.. المعدات.. الأسلحة.. تجهيزاته الإدارية والفنية، فضلا عن تشتيت انتباه العدو ومجهوده، والتأثير علي جبهته الداخلية ومعنوياته، قبل المعركة الحاسمة'، وخلالها لعبت معارك المدفعية والطيران '14، و15 يوليو 1967' دورا في زيادة الثقة بين القوات وهم يشاهدون مقاتلات مصرية تطير وتحارب في سماء المعركة، بينما كان إغراق المدمرة إيلات '21 أكتوبر من العام نفسه' بصواريخ سطح - سطح، فتحا عسكريا لايزال يدهش العالم حتي الآن، لاسيما أن هذه العملية البحرية النوعية، أفقدت إسرائيل أهم وأكبر قطعة بحرية لديها.
أيضا، أدبت القوات البحرية المصرية 'من خلال عناصرها' إسرائيل في عقر دارها بـ4 عمليات في إيلات 'تدمير المدمرتين داليا وهيدروما في 15 و16 نوفمبر 1967، وناقلة الدبابات بيت شيفع، وناقلة الجنود بات يام، 5 فبراير 1970، وتدمير سفن والرصيف الحربي لميناء إيلات.. '، رغم الإجراءات الإسرائيلية الكبيرة لتأمين الميناء، ممثلة في نصب شباك معدنية حول الميناء لمنع دخول عناصر الضفادع البشرية، ومضاعفة العبوات المتفجرة في أي أهداف متحركة في محيط الميناء، ومنع دخول السفن والمدمرات ليلا للميناء، حتي لا تستهدفها عناصر الضفادع البشرية المصرية.
وتكشف للجميع خطورة الأدوار الاستثنائية التي أدتها 'المجموعة 39 قتال' 'تأسست بعد نكسة 1967 مباشرة' حيث كانت تضم أفضل عناصر الجيش من سلاح الصاعقة بقيادة الشهيد، إبراهيم الرفاعي، وقد تنوعت عملياتها 'إغارة، وكمائن، واستطلاع خلف الخطوط.. '، عبر نحو 92 عملية 'شملت تدمير مواقع ومنشآت.. تدمير 77 عربة مختلفة.. 17 دبابة.. 4 بلدوزرات.. قتل وجرح 430 إسرائيليًّا.. أسر أول إسرائيلي، يعقوب رونيه.. '، وذلك من خلال عبور المجموعة لقناة السويس 72 مرة منذ نكسة 67 حتي أكتوبر 1973، فضلا عن أدوار أخري أدتها القوات المسلحة خلال حرب الاستنزاف.

استعدادات
لم تتوقف الاستعدادات العسكرية اللاحقة 'من التلقين المعنوي، إلي الأساليب التكتيـكية، عبر البيانات العملية، والمناورات المتواصلة.. ' ضمن خطة شاملة لإعــــــادة بناء القوات المسلحة المصرية، ورفع حالة الجاهزية القتالية 'إداريا، وفنيا، ومعنويا' مدعومة بتنويع مصادر التسليح، 'تحت إشراف مباشر من القيادة العامة للقوات المسلحة، ومتابعة لحظية من الرئيس جمال عبد الناصر، ولاحقا الرئيس محمد أنور السادات'، وقد تبدت النتائج المبهرة مع تصاعد أعمال القتال من خلال عبور قوات متخصصة مصرية لتنفيذ عملية نوعية كالإغارة علي الدفاعات الإسرائيلية.
تنوعت أجواء 'التدريب والإعداد' التي أجريت خلاها المشروعات التدريبية والتجارب المكثفة علي اقتحام الموانع المائية، وتدمير النقاط القوية والمواقع الحصينة، ومشروعات مراكز قيادة علي كافة المستويات، عبر خطة شاملة اتبعتها القوات المسلحة، آنذاك، محددة التوقيت، والمهام، ومسرح العمليات، والإجراءات المساعدة.
وخلال خطة 'البناء العسكري' تحركت القوات المسلحة علي أكثر من اتجاه، رغم أن التقديرات العسكرية الدولية كانت تري أن مرحلة البناء والتدريب والإعداد اللازمة للجيش المصري لا تقل عن 10 أعوام، وقدرتها الدعاية الإسرائيلية بأكثر من 20 عاما، لكن مصر التي كانت تصل الليل بالنهار، لمفاجأة الجميع، نجحت في صناعة حالة من الاصطفاف الوطني في الجبهة الداخلية، عبر تماسك الشعب والقيادة السياسية مع قواتها المسلحة، وإعداد شباب الجامعات عسكريًا.
كان يتم إعادة بناء القوات المسلحة، فيما التخطيط لأعمال القتال يسير بخطي ثابتة، تتماشي مع نمو قدرات القوات التي بدأت تتغلب علي المصاعب التي تواجهها واحدة بعد الأخري، وتعمل بجهد مستميت للدفاع عن منطقة القناة. ومع اتساع الجبهة واستمرار الأعمال القتالية، كان لزامًا أن تتوزع مسئوليات القيادة والسيطرة لضمان حسن الأداء إلي أقصي درجة ممكنة، لذلك، صدرت الأوامر التنظيمية بإنشاء الجيشين، الثاني والثالث، وإنشاء قيادة قوات الدفاع الجوي، التي نجحت في تحييد الطيران الإسرائيلي، وحولت فرحة إسرائيل، بقواتها الجوية عقب نكسة يونية 1967، إلي آخر محطة للفخر.
وبرعت قوات الاستطلاع في رصد خطوط الدفاع الإسرائيلية في سيناء، رغم أن هذه الخطوط كانت علي مسافات مختلفة 'تبدأ بخط بارليف الحصين، علي شاطئ قناة السويس، وثلاثة خطوط أخري مجهزة دفاعيا علي الاتجاهات الأكثر صلاحية لعبور القناة، وأجناب الطرق الرئيسة المؤدية للأهداف المهمة في العمق، ومخارج المضايق الجبلية من الغرب، لمنع القوات المهاجمة من عبورها إلي الشرق'.
ونفذت عناصر الاستطلاع 'قبل حرب أكتوبر 1973' العديد من المهام شديدة الخصوصية والتعقيد في آن واحد، تم خلالها الدفع بمعلومات تفصيلية للقيادة العامة للقوات المسلحة عما يدور خلف خطوط العدو، لاسيما أن إسرائيل حاولت التغلب علي طبيعة الأرض المفتوحة شرق القناة، عبر إنشاء تلال وسواتر صناعية للسيطرة علي الأرض، وإخفاء تحركات قواتها الآتية من العمق إلي الغرب، فضلا عن تجهيزها مناطق تجمع في العمق لتمركز الاحتياطيات العملياتية والاستراتيجية، وأسلحة الدفاع الجوي والمدفعيات، والأسلحة المضادة للدبابات، غير أن ما كانت تقوم به 'من إعداد لمسرح العمليات في سيناء وفي العمق داخل أراضيها كذلك' كان يصل تباعا للجبهة المصرية، مدعوما بصور حديثة للدفاعات الإسرائيلية وتطورها، وتأثير الاشتباكات في حرب الاستنزاف عليها.

تطورات
قبل انتهاء حرب الاستنزاف في أغسطس عام 1970، بناء علي مبادرة 'روجرز' الأمريكية، فقدت إسرائيل خلال حرب الاستنزاف 'بحسب المجلة العسكرية لجيش الاحتلال' أربعين طيارًا، و827 قتيلا، 3141 جريحا وأسيرا و27 طائرة، من مختلف الأنواع فضلا عن المدمرة إيلات، ومعها سبعة زوارق وسفن متنوعة، وخسرت القوات البرية 72 دبابة، 119 مجنزرة، 81 مدفع هاون، لكن التقديرات الحقيقية تفوق هذه الأرقام بكثير، وقد قبلت مصر '8 أغسطس 1970' بمبادرة وزير الخارجية الأمريكي، وليام روجرز لوقف إطلاق النار، بعدما حققت أهدافها من حرب الاستنزاف التي أدارتها بنجاح، وراحت تنتقل بعدها إلي وضع اللمسات الأخيرة لحرب أكتوبر.
كانت المبادرة الأمريكية تتضمن 'موافقة مصر وإسرائيل علي جدول زمني، من أجل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المصرية التي احتلتها خلال حرب 1967.. إنهاء حالة الحرب بين إسرائيل ومصر.. الاتفاق علي مناطق منزوعة السلاح، مع اتخاذ إجراءات فعالة في منطقة شرم الشيخ، لضمان حرية الملاحة في مضيق تيران.. '. في البداية رفضتها إسرائيل قبل القبول بها لمدة محددة.
قبل أن تنتهي فترة وقف إطلاق النار الأولي، توفي الرئيس جمال عبد الناصر '28 سبتمبر 1970' وتولي الرئيس أنور السادات، المسئولية، وفيما الشد والجذب علي المستويين السياسي، والدبلوماسي علي أشدهما، تم بناء خطة العمليات قبل حرب أكتوبر علي ضوء دراسة الاستراتيجية العسكرية للعدو الإسرائيلي التي كانت تعتمد علي 'إضعاف وتبديد الطاقات العربية. التوسع الجغرافي التدريجي علي حساب الجوار العربي.. الاحتفاظ بقوة مسلحة متفوقة علي الدول العربية.. الارتباط بحلفاء دوليين لتحقيق تلك الأهداف.. '.

مفاجأة
كانت خطة الهجوم 'بدر' عنوانا رئيسا للاستراتيجية المصرية في الحرب ليس فقط لتحدي نظرية الأمن الإسرائيلية المعروفة بـ'الحدود الآمنة'، لكن لهدم هذه النظرية، عبر عملية هجومية مخططة بدقة، لتحرير الأرض المحتلة، تراعي نمو وتطور إمكانات وقدرات القوات المسلحة، وتكبيد العدو الإسرائيلي أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والأسلحة'، وبنهاية شهر سبتمبر 1973، بدأت سلسلة من الاجتماعات، علي أعلي مستوي، للقيادات السياسية والعسكرية. وكان تقدير الرئيس السادات 'حتمية المعركة، والانتقال من الدفاع إلي الهجوم، طالما استمرت إسرائيل في ممارسة سياستها علي أساس أنها قوة لا تقهر، وتفرض شروطها، وأن المعركة تعني إنقاذ مصر مما يخطط لها'.
وعبَّر عنصر 'المفاجأة'، عن تميز القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر، وكشف عن طبيعة التكتيك والتجهيز والتحضير الذي تم علي أعلي مستوي، ومن ثم انعكس علي نتيجة الحرب بعدما فشلت إسرائيل 'بجميع ما تمتلكه من تكنولوجيا، ووسائل متقدمة، وأجهزة استخبارات متنوعة، ودعم وتنسيق معلوماتي مع أجهزة استخبارات دولية حليفة' في رصد الهجوم المصري 'وكذلك ما تم علي الجبهة السورية' في ظل معلومات جري تسريبها عن 'تدهور حالة السلاح المصري، وضعف قدرتها علي استيعاب التكنولوجيات الجديدة خاصة في مجالات الصواريخ المضادة للدبابات والمقاتلات الحديثة.. '.
وفي مقابلة مطولة مع صحيفة 'يديعوت أحرونوت'، قبل سنوات، ألقي إيلي زعيرا 'رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية' باللوم علي القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، كونها ارتكبت العديد من الأخطاء التي لا تزال موجودة حتي الآن، والتي تسببت 'علي حد تأكيده' في هزيمة إسرائيل خلال حرب أكتوبر، مشيدا في الوقت نفسه بـ'خطة الخداع الاستراتيجي المصرية'.
وقد توقف اللواء الراحل فؤاد نصار 'المدير الأسبق لجهاز المخابرات الحربية، ثم المخابرات العامة' أمام خطة الخداع الاستراتيجي لإسرائيل في حرب أكتوبر، وكيف تم استخدام العنصر البشري في إسقاط نظرية الأمن الاسرائيلية، من خلال إنشاء 'منظمة سيناء' ومجموعات استطلاع علي جبهة القتال، مشيرا إلي حالة البلبلة داخل القيادة الإسرئيلية، وخطة الخداع المحكمة التي قادها علي الجبهة المصرية الرئيس الراحل أنور السادات بنفسه، مما كان يوحي في تل أبيب بأنه 'لا نية مصرية - عربية للحرب'.

تعليمات
كانت تعليمات التخطيط أن تبدأ بأقل عدد من الأفراد وتتسع طبقًا لتطور التخطيط وأن يعلم كل فرد قدر ما يخصه من واجبات ومسئوليات وأن يكتب كل فرد التعليمات والوثائق بنفسه ولا تتم كتابتها بالآلة الكاتبة ولا يتم تداولها إلا بتصديق من القيادة، وكان علي القيادة تنفيذ 3 شروط رئيسية 'سرية توقيت الحرب حتي اللحظات الأخيرة.. تعزيز أعمال التخطيط التفصيلي في جميع المستويات، والاستطلاع المكثف.. وضع خطة حرب بسيطة'.
ومطلع أكتوبر من العام نفسه بدأ تنفيذ مشروع استراتيجي، تمت خلاله إجراءات التعبئة، ورفع درجة جاهزية القوات للحالة القصوي، وتواجد القادة مع هيئات قيادتهم ومعاونيهم في مراكز القيادة والسيطرة علي القوات، وفي الخامس من أكتوبر 1973، أصدر الرئيس السادات، توجيهًا استراتيجيًا جديدًا، يحدد فيه قراره بتكليف القوات المسلحة بتنفيذ مهام استراتيجية، بالعمليات الحربية، عبر كسر وقف إطلاق النار اعتبارًا من يوم 6 أكتوبر، والعمل علي تحرير الأرض علي مراحل متتالية حسب تطور الموقف وقدرات القوات المسلحة.. وظهر اليوم التالي بدأت المعركة، التي طبقت خلالها 'بحسب الخبراء' نظريات العلم العسكري الحديث، والأداء القتالي عالي المستوي، الذي يبهر المعاهد والأكاديميات العسكرية حتي الآن.

رؤية
لكن الراحل، د.جمال حمدان يري 'وفقا لما أورده في: أكتوبر في الاستراتيجية العالمية' أن حرب أكتوبر لم تكن مفاجأة للعدو الصهيوني بل إن العدو كان يعرف تمامًا ما يحدث، وأن الهدف المصري في تحرير سيناء هدف معلن للجميع ومكان العدو معروف وكذا العقبات التي إذا ما اجتازتها قواتناوهو قمة الإعجاز في حسم المعركة، مشيرا إلي أن نكسة يونيو 67 كانت حرب طيران فقط، لكن في 73 كانت حرب الأسلحة المشتركة من الجانب المصري، التي تجمع القوات البرية والبحرية والجوية في تناغم لا مثيل له، وأن نكسة يونيو وسيطرة إسرائيل علي أراضٍ شاسعة قد أفادت مصر في 73 ذلك أن جبهة الحرب اتسعت بالنسبة لـ'تل أبيب'، عما كانت عليه قبل 67، ومن ثم تعددت الجبهات واتسعت.
حتي توقيت المعركة 'بحسب الراحل جمال حمدان' لم يكن مفاجأة، كون اختيار شهر أكتوبر بحكم أنه الأنسب مناخيا للحرب، بعيدا عن حرارة الصيف وبرودة الشتاء القاسية، مؤكدا أن الهجوم في وضح النهار أسلوب غير تقليدي للمعارك العسكرية 'تبدأ في الغالب مع أول، أو آخر ضوء'، فيما اختيار توقيت الثانية ظهرًا لأن الشمس تكون في عين العدو، ومن ثم يتعرض لما يسمي بـ'عمي المعركة'، فضلا عن الهجوم نهارًا للطيران والمدفعية فرصة كبيرة لضرب الأهداف بدقة وإحداث أكبر خسائر بثكنات العدو.. نجحت حرب أكتوبر في تغيير مفاهيم عسكرية كثيرة علي مستوي العالم، فيما يتعلق بتنفيذ العمليات، وتكتيكات القتال، واستخدام الأسلحة بواسطة الجيش المصري، كما رسخت حرب أكتوبر لما يعرف بمعركة الحرب المشتركة، من خلال دمج أفرع عسكرية متعددة في تحقيق الانتصار الأهم علي إسرائيل.

التعليقات
أضف تعليق