مـتـابـعـات

بات أمرًا حتـميًا..
تجديد الخطاب الديني المسيحي مطلب طال انتظاره
العدد 1091 السنة 22 الأثنين 8/10/2018 الساعة 4:55 مساء
سيد الخمار

هل يحتاج خطاب كنيسة مصر لتجديد؟ قبل الإجابة لابد من عرض سريع لمراحل تطور التفاعل الكنسي مع المجتمع فقد مرت الكنائس المصرية خصوصا الأرثوذكسية بعمليات تطوير مهمة في العصر الحديث الذي كانت بدايته القريبة مع البابا بطرس الجاولي وهو البابا رقم '109' الذي عاصر محمد علي باشا ومعه دخل المصريون الاقباط في دولاب عمل الدولة المصرية بشكل لافت للنظر وتعايشت الكنيسة مع تولي إبراهيم باشا الحكم وصارت جزءا مهما من تركيبة الحكم 'علي المستوي الشعبي هم - جزء أصيل من المجتمع المصري' منذ عبقري الترجمة إسحق حنين في عام 18 هجرية لم ينفصل عن الهوية الوطنية لمصر والمصريين لكن موقف البابا جاولي ورفضه الحماية الروسية كان نقطة تحول مهمة في تفاعل الخطاب المسيحي مع المجتمع المصري ثم جاء العالم البابا كيرلس الرابع 'وهو البابا رقم 110' والذي كان جزءا مهما من متابعة أقباط السودان وربطهم بالوطن الأم مصر من حيث التابع الديني حتي يومنا هذا وكيرلس الرابع أهتم بالتعليم دون تفرقة بين مسلم ومسيحي وأسس خطابا متطورا يناسب التفاعل المصري مع الشعب الذي يقاوم الاحتلال ولعب دورا مهما في إستيعاب اقباط السودان الذين فروا من بعض مجازر الثورة المهدية 'المهديين' في السودان.

ثم جاء المجدد كيرلس الخامس البابا رقم '112' الملقب بأبو الإصلاح الكنسي في مصر الذي أنشأ مدرسة الرهبان ومدارس البنات ووضع أسس برامج تثقيف الكهنة مع إنشاء الاكليريكية وبقي في كرسي البابوية خمسين عاما وكان جزءا حيا من تاريخ مصر فهو أيضًا من رعي كنيسة اثيوبيا كي تبقي جزءًا من كنيسة مصر ومنحها حقها في التصويت علي كرسي بابا مصر علي اعتبار أهم جزء من الكنيسة الأم وشهدت علاقات مصر الدينية مع اثيوبيا نهضة كبري وهو مؤسس مدرسة الاقباط الكبري التي لا تزال موجودة في حي الازبكية وهو صاحب اقتراح دخول الاقباط للجيش المصري دون تمييز وهو من طلب إلغاء قانون الذمية وهو من شارك مع الخبراء في وضع أسس حدود مصر مع أثيوبيا 'عندما كانت حدود مصر تصل لمكان سد النهضة الحالي' عام 1856 وهو من حصل علي حكم ملكية مصر النهائية لدير السلطان بالقدس حتي الان وهو من وضع أساس الكنيسة المصرية بالخرطوم وعاصر ثورة 1919 وكان صاحب خطاب ديني متطور يناسب عصره خصوصا لائحة في أمور الزواج والطلاق وتسمي لائحة 38 التي وضعها وتعد أفضل وثيقة متجددة تمثل وتحل مشكلات الاقباط والتي يتمني الأقباط عودتها والتي ألغيت عام 2008 وعلي منهجه كان يسير البابا كيرلس السادس رفيق وصديق الزعيم جمال عبد الناصر وقد وضع البابا كيرلس منهجا متطورا لخطاب يؤكد أن البابا جزء من مؤسسات الدولة بشكل رسمي وجاء عصر البابا شنودة الثالث ويمثل التيار المحافظ ثم تولي البابا تواضروس الثاني منصب بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وهو يحاول حل المشكلات التي ورثها فلا هو يستطيع إعادة لائحة 38 ولا يستطيع غض البصر عن المشكلات القائمة فعلا ويفسر المفكر القبطي كمال زاخر الازمة برؤية تتجازو تجديد الخطاب الديني المسيحي إلي أن الخطاب الديني عموما مسيحي أو حتي مسلم يحتاج إلي تحديث وليس تجديدا فالدين، بمعناه المقدّس، ثابت ولا يدخل عليه جديد، ولكن الفكر هو الذي يتم تحديثه بما يتواكب مع تطورات الواقع. وهذا التحديث لا يجب أن يقتصر علي الخطاب الديني الإسلامي فقط، إنما أيضًا تحديث الخطاب الديني المسيحي حتي يتماشي مع العصر، وتقويم الخطاب القبطي الأرثوذكسي تحديدا، بات أمر حتميا. واعتبر أن المطالبة بتحديث الخطاب الديني دون الالتفات إلي تحديث الفكر الديني، غير ذات معني فالخطاب لا ينطلق من فراغ لكنه نتاج فكر ديني سائد، ومن ثم يصبح المطلب الحقيقي هو تجديد الفكر الديني، والذي يعني قراءة الأسس الفكرية للدين وصياغتها في أطروحات معاصرة تستطيع أن تجد قبولا لدي الناس في ظل معطيات التواصل الاجتماعي والعصر المعرفي التي يتيح له معارف عديدة وفي ما يتعلّق بالخطابي المسيحي، بالخصوص، قال المفكر الدكتور كمال زاخر، إنه لا يمكن تحديث أو تجديد الخطاب الديني بقرار أو اتفاق الإرادات داخل المنظومة الكنسية، إنما هناك حاجة لرؤية متكاملة توفر المراجع التي يستند إليها الخطاب والمعاهد الأكاديمية التي تتولي مهامه. وانظر إلي الكنيسة في قصة أزمة الزواج الثاني ومطالبة البعض بإعطاء تصاريح أو اعتماد الزواج المدني فهي توضح وجهة نظري وكما تري إن القضية تخرج عن صلاحيات الكنيسة، دستوريا ودينيا، لأن الزواج المدني شأن يخصّ الدولة تقرّه أو ترفضه لكل مواطنيها. كما أن الزواج الكنسي ليس مجرد عقد يقوم باتفاق طرفيه، إنما تحكمه قواعد ملتزمة بإيمان الكنيسة، وتعتبره أحد ترتيباتها الأساسية، ويتم بالصلاة التي تستدعي الروح القدس ليتمّه ويشرعنه، ومن ثم لا تملك الكنيسة مباركة أي زواج خارج قواعدها الإيمانية، وعلي من يطالب به أن يخاطب الدولة باعتباره مواطنا مصريا لا دخل للكنيسة بطلبه.

أما القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر فله رأي معلن علي موقع الطائفة يقول فيه 'النص صالح لكل العصور، وهو وحي من السماء ويواكب البشرية في تطورها، ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن النص ولد في بيئة معينة، وفي خلفية مغايرة، وفي ظروف محددة، وأنا أسميها برحلة الذهاب إلي النص لكي أفهم النص في سياقاته'، متابعًا: 'لا يمكن أن انتزع النص من سياقه التاريخي، ونؤوله فوق ما ينبغي تأويله، ثم نعود إلي النص، ونسميها رحلة العودة من النص ونكتشف كيف يتلامس هذا النص مع متغيرات الواقع، وكيف يمكننا أن نستفيد منه في مستجدات القضايا الخلافية، ورحلة العودة من النص، فتجديد الخطاب الديني والفقه والفكر اللاهوتي رحمة بالمجتمع'.

وكما في الإسلام هناك معني عميق لسماحة النص وكذلك في المسيحية النصوص قابلة للفهم والتأويل ونفهمه بطرق متنوعة، ولكن حدث في بلادنا ما يسمي بجمود التفسير وصار التفسير مقدسًا كالنص، رغم أن النص يحتمل أكثر من قراءة وفهم حسب المدارس المتعددة وتفسير النص محاولة بشرية، وبالتالي لا توجد قراءة شرعية وحيدة للنص، وهو ما أوجد كنائس متعددة، ومذاهب متعددة في الإسلام.

التعليقات
أضف تعليق