مـقـالات

رسالة ماكرون للاتحاد الأوربي
الأحد 10/3/2019 الساعة 9:35 مساء
صالح أبومسلم

وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا رسالة إلي مواطني الاتحاد الأوروبي نشرتها عدة وسائل إعلام أوروبية  عبارة عن خطة طريق، وتحتوي علي عدد من المقترحات لتطوير الاتحاد الأوربي تماشيا مع ما تتطلبه تحديات المرحلة ومنها إعادة النظر في فضاء شنجن، وإلي إنشاء شرطة حدود مشتركة ومكتب أوروبي للجوء، وفرض قيود مراقبة إجباري، ودعا أيضا إلي إتباع نفس سياسة اللجوء في كل دول الاتحاد الأوربي التي تحكمها نفس ضوابط القبول والرفض، ووضع اتفاقية دفاع بين الأوروبيين إذ يري بأنه لا يمكن لأي مجموعة أن يكون لديها شعور بالانتماء ما لم يكن لديها حدود تقوم بحمايتها، ومطالبا كل الذين يرغبون بالمشاركة في توفير تلك الحماية أن يتحملوا مسؤوليات إجراءات مراقبة صارمة علي الحدود بسبب التهديدات الإرهابية وللحد من تحرك المهاجرين غير الشرعيين بين هذه الدول، وعلي إبداء حس تضامن تطبيق سياسة لجوء واحدة مع نفس شروط القبول والرفض، كما دعي لإنشاء وكالة لحماية الديمقراطيات. كل ذلك من أجل نهضة أوروبا، موضحا أن أوروبا تمر بوضع خطير لم تعرفه منذ الحرب العالمية الثانية، وقد أعربت دول أوربية عدة والمفوضية الأوروبية عن القلق من أن تتحول هذه الإجراءات المؤقتة إلي قاعدة، ما يعني إنهاء فضاء شينجن عمليا بعد أن كان هذا الفضاء وفقا لاتفاقية شينجن عبارة عن منطقة تنقل حر لا وجود بين دولها لمراقبة حدودية في الحالات الطبيعية. ويضم فضاء شينجن حاليا 26 دولة بينها 22 من دول الاتحاد الأوروبي.
وبرغم ما تحمله رسالة ماكرون من أفكار جديدة من اجل الحفاظ علي امن واستقرار وبنيان الاتحاد الأوربي إلا رسالته قد لاقت انتقادات كثيرة من بعضا من قادة الاتحاد الأوربي، ومن الساسة والإعلاميين بسبب تناقضها مع قواعد الاتحاد، وينتقدون ماكرون لأنه لا يملك وحده أن يقرر مصير الاتحاد، أو أن يحق له هكذا أن يحدث هذا التغيير الذي لا يتماشي مع أفكار ورؤي البلدان الأوربية الأخري وبخاصة أن ماكرون ليس علي وئام تام مع ايطاليا علي سبيل المثال، ناهيك عن خروج ببريطانيا المرتقب بتداعياته من الاتحاد الأوربي، والوضع الذي عليه الآن حليفته المستشارة ميركل التي تركت حزبها واقتربت من نهاية عهدها بالمستشارية، ولكل تلك الأحزاب يري المحللون بان ماكرون وعل هذا النحو يبدو وكأنه يغرد وحده خارج الهواء الأوربي، وان ما يفعله هو انه يحاول من خلال تلك الأطروحة الماكرونية أن يستنهض بعضا من قواه لما يعانيه من أزمات داخلية ومشكلات بالحكم ومنها أزمة السترات الصفراء التي تواجهه وشعبيته وشعبية حزبه ورئيس وزرائه المتراجعة، كما يؤخذ عليه النقاد والمحللون أيضا استخدامه للخطاب يحمل في داخله نفس أفكار الأحزاب المتطرفة والقوميين الجدد في بلدان أوربا وبخاصة في مسالة غلق الحدود وعن سيادة أوربا وبدون التطرق إلي سيادة البلدان في وقت لا يتوافق خلاله ماكرون مع ايطاليا، أومع بولندا والمجر، أو حتي مع النمسا وهولندا وصعود شعبية الأحزاب القومية الشعبوية في تلك البلدان، أو حتي مع الوضع الاسباني المتأزم بسبب مشكلة الانفصاليين في إقليم كتالونيا، ولهذا يرجع الخبراء والمحللون سبب هذا الخطاب الآن إلي سعي ماكرون لتحقيق مكاسب سياسية استعداد للانتخابات البرلمانية الأوربية خلال شهر مايو القادم آملا في أن يحصد حزبه التقدمي عدد كبير من المقاعد خلال تلك الانتخابات من أجل تحسين وضعه الداخلي والحفاظ علي مستقبله السياسي.
ومع كل تلك التحليلات اعتبر هذا الخطاب من قبل كثير من المحللين والقادة الأوربيين خطابا براقا، أما مضمونه فانه يشبه إلي حد كبير ذر الرمد في العيون وبعني آخر تحويل أنظار الناس عن هدفه الحقيقي.

التعليقات
أضف تعليق