تـقـاريـر

بعد ثورات الربيع العربي هل تأخرت ثورة الربيع السوداني؟
الأحد 14/4/2019 الساعة 7:47 مساء
صالح ابو مسلم

منذ العام 2011 انطلقت شرارة الثورات في أكثر من بلد عربي وسميت نسبة لمواعيد انطلاقها وأهدافها قبل وأثناء  فصل الربيع بثورات الربيع العربي التي قامت من اجل التخلص من الأنظمة الحاكمة ومن اجل إحداث التغيير بعد تري الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومنذ هذا التاريخ حلم الشعب السوداني كغيره من باقي الشعوب العربية بالثورة علي وضعه المتردي ومن اجل التخلص من نظام حكم مستبد ووضع اقتصادي وسياسي واجتماعي متردي أوصل البلاد خلال ثلاثون عاما إلي الهاوية، ومنذ التاسع عشر من ديسمبر الماضي 2018، اشتعلت الأحداث في السودان ولم تهدأ بعد أن اندلعت التظاهرات احتجاجًا علي سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وغلاف الوقود ورغيف الخبز، إلا أنها سرعان ما تحولت وكغيرها من الثورات العربية إلي المطالبة بسقوط حُكم الرئيس عمر البشير المُستمر منذ نحو ثلاثة عقود، ولهذا فان آمال الربيع العربي مازالت تحيي من جديد في شمال أفريقيا، ففي الجزائر أجبر ملايين المتظاهرين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة علي الاستقالة، وفي السودان يعتصم عشرات الآلاف من المتظاهرين للمطالبة بالإطاحة بحاكمهم القديم، وفي ليبيا، يحاول اللواء المتقاعد الطاعن في السن خليفة حفتر من أجل ترسيخ نفسه كرجل قوي، واعدا بإنهاء الفوضي التي أعقبت إطاحة الليبيين حاكمهم الديكتاتور قبل ثماني سنوات وإعادة الدولة الليبية، فبعد أن تلاشت الآمال المستوحاة من انتفاضات الربيع العربي لعام 2011 منذ وقت طويل، عادت من جديد لتردد أصداء الربيع العربي مرة أخري، لتزلزل الحكومات الاستبدادية ولتطال باقي البلدان العربية وتطرح الأسئلة حول حلم شعوب تلك البلدان بتحقيق مستقبل أفضل، ويري المناضلون القدامي في ثورات الربيع العربي الحالية في مشاهدها بأنها تبدو وكأنها عودة لفصول من قصة واحدة، فمشاهد الجماهير المطالبة بإقالة الرئيس السوداني عمر البشير تستحضر المظاهرات في ميدان التحرير بالقاهرة، أو أمام وزارة الداخلية التونسية قبل 8 سنوات، ولكن بينما حاولت الأنظمة الديكتاتورية العربية نشر فكرة أن الثورات العربية أدت إلي انتشار الهرج والمرج، يثبت الشباب في الجزائر والسودان أنهم تعلموا بشكل كاف من دروس الماضي، ومن جهة أخري يري بعض المحللون بان الاضطرابات المتجددة الآن في شمال أفريقيا أكدت أن المشاكل الأساسية التي فجرت الانتفاضات السابقة لا تزال مستمرة في التفاقم، فعدد الشباب الساخطين في ازدياد، ولهذا فقد عادت تلك الثورات بقوة في أكثر من بلد عربي، ومع صباح يوم الخميس الماضي الموافق 11 من شهر ابريل الجاري يعلن المجلس العسكري بالسودان عن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير وليكثف الجيش السوداني الذي أعلن ولائه واستجابته لمطالب الشعب وحقه في حراكه الشعبي بالانتشار عند الجسور والمناطق الحيوية، فضلًا عن انتشاره في محيط القصر الرئاسي, بالإضافة إلي اعتقال أكثر من 100 شخص من المقربين من الرئيس السوداني، وليخرج عوض بن عوف عبر بيان ليعلن للشعب السوداني الثائر عددًا من القرارات، وهي اقتلاع رأس النظام والتحفظ عليه في مكان آمن، وتأمين المرافق والمنشآت الحيوية، وإغلاق الأجواء والمنافذ لمدة 24 ساعة، وتأسيس مجلس عسكري لإدارة شؤون البلاد لمدة عامين، و حظر التجوال لمدة شهر في عموم البلاد، وبعد يوم من تولي عوض بن عوف رئاسة المجلس العسكري وعزله الرئيس البشير من منصبه يعلن الفريق أول عوض بن عوف هو الآخر تنحيه عن منصبه، وتعيين الفريق ركن عبد الفتاح البرهان رئيسا للمجلس العسكري كما أعلن عن تنحي رئيس هيئة الأركان كمال عبد المعروف عن منصبه نائبا لرئيس المجلس، مؤكدا حرص القوات المسلحة علي تماسك المنظومة الأمنية في البلاد وليؤدي الفريق عبد الفتاح برهان اليمين الدستورية لاستلام مهامه رسميا، الأمر الذي ادخل الفرحة علي المتظاهرين لتنتصر في النهاية ارداة الثورة السودانية وتحقيق مطالب الشعب السوداني الذي يخطو الآن خطواته الأولي برعاية قواته المسلحة وبداية انطلاقه نحو عهد جديد يحلم خلاله بتحقيق دولته المدنية والتخلص من الحكم العسكري بعد أن قضي ثلاثون عاما حالكة تحت حكم عمر البشير، فمن هو هذا الرئيس؟

عمر حسن البشير

ولد عمر حسن أحمد البشير، في الأول من يناير عام 1944، بقرية حوش بانقا' التي تنتمي إلي قبيلة البديرية الدهمشية الموجودة في شمال السودان وغربه وقد تخرّج في الكلية الحربية السودانية عام 1967، واختير لحضور دورة الحرب العليا بأكاديمية ناصر العسكرية في القاهرة، وشارك ضمن القوات السودانية في حرب أكتوبر 1973 علي الجبهة المصرية، وفي عام 1981 نال البشير ماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان، ثم ماجستير العلوم العسكرية في ماليزيا 1983، وزمالة أكاديمية السودان للعلوم الإدارية عام 1987، وبعد تهميش الإسلاميين في عهد المرغني، خطط حسن الترابي لانقلاب واختار عمر البشير الذي كان من الجبهة القومية الإسلامية داخل الجيش السوداني، ليتلو البيان الأول للانقلاب عام 1989، الذي أطلقوا عليه ثورة الإنقاذ الوطني، وخلال تلك الفترة قاد البشير المعتمد علي قوة الإسلاميين ومساندة حسن الترابي انقلابًا عسكريًا ضد حكومة الصادق المهدي المُنتخبة، وأعلن بعدها البشير نفسه رئيسًا لمجلس قيادة الإنقاذ الوطني، وبعد أن بدأ الترابي بالظهور والتدخل في الحُكم حاول البشير التخلص منه وتأرجحت علاقته مع الإسلاميين، حتي أطاح بالترابي في 12 ديسمبر 1999 حتي مات وهو علي قطيعة مع البشير الذي سار وراءه، بعدها انفرد البشير وحده بالحكم بكل ما للكلمة من معني، إذ أسكت الأحزاب السياسية وحولها إلي مومياوات، وشكل حزب المؤتمر الوطني، إطارا وحيدا للسلطة، حني اتخذ الكثير من الإجراءات والقرارات الهامة ومنها تعليَّق العمل بالدستور، وحلّ البرلمان والأحزاب السياسية، وأعلن حظر التجوال، وخلع البذلة العسكرية، وعيَّن نفسه رئيسًا مدنيًا للسودان، ليصبح هو الرئيس الأطول حُكمًا في السودان، فمنذ نجح الرجل العسكري في انقلابه، لم تُجري أي انتخابات رئاسية في البلاد حتي عام 2010، الذي فاز فيه بعد أن انسحبت المعارضة من الانتخابات، واصفة إنها غير نزيهة، وخلال حكمه شهد عهده الكثير من الأزمات ومنها أزمة دارفور، عام 2003، التي اندلعت فيها احتجاجات واسعة رافضة لتقسيم الإقليم إلي ولايات، صحبتها اتهامات للبشير بتهميش سكان الإقليم، وفي يوليو 2008 اتهم ممثل الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، البشير بتدبير حملة لارتكاب أعمال قتل جماعي في دارفور أدت إلي مقتل 35 ألف شخص، واستخدام الاغتصاب والتجويع والترهيب في مخيمات اللاجئين، كسلاح في الحرب، وطلب المدعي أوكامبو من المحكمة إصدار أمر اعتقال ضد البشير، ليصبح أول رئيس حاكم يصدر بحقه مثل هذا الأمر، منذ رئيس ليبيريا تشارلز تيلور، وقبله الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش، في 13 يونيو 2015، أصدرت المحكمة العليا أمرًا يمنع البشير من مغادرة جنوب أفريقيا مؤقتًا لحين النظر في القضايا المتهم فيها من طرف المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه استمر في زياراته الرسمية إلي البلدان العربية والأفريقية متحديًا القرار، وعلي مدي 20 عامًا من العقوبات الأمريكية الاقتصادية علي السودان، تدهورت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكل متنامي، إذ أدرجت واشنطن السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ردًا علي استضافته زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 1991، قبل أن يغادر الخرطوم عام 1996 متجها إلي أفغانستان، والأخطر من ذلك أن شهد عهده الحرب الأهلية في جنوب السودان، التي أسفر عنها توقيع معاهدة نيفاشا عام 2005، مع قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، وانتهت أطول حرب أهلية استمرت 21 عامًا لتولد جمهورية جنوب السودان، في عام 2011، ومعه فقد أدي انفصال الجنوب زاد المعاناة الاقتصادية، حيث أخذت الدولة الوليدة نسبة كبيرة من الموارد، القادمة من النفط. واضطرت الحكومة في 2013 إلي رفع الدعم عن أسعار المحروقات لترتفع أسعار جميع السلع الأساسية، وفي سبتمبر 2013، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في السودان، ضد حكم البشير بسبب ارتفاع أسعار المحروقات والمواد التموينية وسوء الأوضاع المعيشية عامة، وقد قتلت فيها قوات الأمن الحكومية ما لا يقل عن 200 متظاهر، بالإضافة إلي اعتقال وتعذيب الكثير من العمال والطلاب، وخلالها أعلن البشير وقتها لشعبه عن عدم رغبته في الترشح لمنصب الرئاسة في انتخابات عام 2015، لكنه لم يفِ بوعده، وظل يراوغ الشعب من اجل نية ترشحه لولاية جديدة، وعلي الرغم من مثابرة المحكمة الجنائية الدولية وإصرارها علي ملاحقة البشير والضغط للقبض عليه ومحاكمته، إلا أنه تمكن من الإفلات وظل بعيدا عن قبضتها، إلا أن الخطر في نهاية المطاف جاء من داخل السودان بموجات متلاحقة من الاحتجاجات الشعبية علي خلفية أزمات اقتصادية ومعيشية متلاحقة، وقد عاند البشير طويلا التظاهرات ضد نظامه وحاول الصمود في وجهها بمختلف السبل، بل وبدا أنه أفلت من رياح حقبة 'الربيع
العربي' وتوابعها، إلا أن دبابات الجيش السوداني، أنهت مشواره السياسي اليوم، بنفس الطريقة التي وصل بها إلي سدة الحكم قبل نحو 30 عاما.

فرحة الشعب السوداني

وفور إعلان تنحي الفريق عوض بن عوف عن رئاسة المجلس العسكري السوداني، ضجت ساحة الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني، بالهتافات والأهازيج الثورية، وردد آلاف المتظاهرون شعارات تثمن استجابة الجيش لمطالب الحراك الشعبي الذي ينادي بتغيير شامل في منظومة الحكم، كما شهدت العاصمة السودانية الخرطوم ومدن سودانية عدة احتفالات كبري بعد قرار تنحي عوض بن عوف الذي كان نائبا للرئيس البشير والمغضوب عليه من قوي الحراك الشعبي، ومنها أن رحبت المعارضة السودانية بحذر باستقالة بن عوف عن منصبه، مرجعة ذلك إلي تصميم الشعب السوداني علي التغيير، ومن القوي التي كانت فاعلة ومؤثرة في تلك الثورة هي قوة تجمع المهنيين السودانيين التي تتشكل من ابرز القيادات النقابية وأبرزها من نقابة الأطباء، والتي توصف بأنها المنظم الأقوي لحراك الثورة والمسئولة الأولي عن إعداد وتواصل تلك التظاهرات التي أدت إلي عزل الرئيس عمر البشير، أن تنحي رئيس المجلس انتصار لإرادة الشعب السوداني، كما دعت قوي إعلان الحرية والتغيير السودانيين إلي البقاء في ساحات الاعتصام، أمام القيادة العامة للجيش من اجل تحقيق مطالب الثورة السودانية ومنه تقليل الفترة الانتقالية والإعلان عن موعد قريب لإجراء الانتخابات وإقامة الدولة المدنية وغيرها من المطالب، كما أصدرت قوات الدعم السريع في السودان بيانا طالبت فيه بإحداث التغيير الفوري، والانتقال إلي مرحلة جديدة بعد الأحداث المتسارعة التي أدت إلي عزل البشير، والعمل علي فتح باب الحوار مع مختلف شرائح المجتمع والإسراع في تنظيم لقاءات الحوار مع قيادات ورؤساء الأحزاب السياسية وتجمع المهنيين، وقادة الشباب وقيادات تنظيمات المجتمع المدني وصولا إلي إقامة الدولة المدنية، ومن اجل تحقيق هذا الهدف طالبت قوات الدعم السريع من المجلس العسكري المؤقت لإدارة البلاد بوضع برنامج واضح لفترة انتقالية لا تزيد عن ثلاثة إلي ستة أشهر، ويتم خلالها تنقيح الدستور من خلال لجنة صياغة تشارك فيها كافة قوي السودان، و تشكيل مجلس انتقالي يكون التمثيل فيه عسكرياً، ومجلس وزراء حكومة مدنيه يتم الاتفاق عليه بواسطة الأحزاب وتجمع المهنيين ومنظمات المجتمع المدني وقادة الشباب والمرأة وفق الحراك، كما أكدت قوات الدعم السريع أيضا علي أن تكون مهمة المجلس الانتقالي التركيز علي إنقاذ الوضع الاقتصادي، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، والإشراف علي لجنة صياغة تنقيح الدستور دون التدخل في مهامها، وطالبت بتشكيل محاكم ونيابات عامة لمكافحة الفساد بكافة صوره وأشكاله، وقيام انتخابات حرة ونزيهة وفق رقابة محلية ودولية وفق قانون انتخابات يتفق عليه بين أصحاب المصلحة.

يأتي ذلك في وقت يحتشد فيه مئات الآلاف من المتظاهرين وقيادات المعارضة والمعتصمين في الشوارع المحيطة بمقر القوات المسلحة وسط الخرطوم، في تحد واضح لقرارات المجلس الانتقالي بفرض حالة الطوارئ، وحظر التجول وغيرها من بيانات المجلس العسكري غير المطمئنة ومنها توليه السلطة لمدة عامين، وغيرها من البيانات التي لم تلبي بعد المطالب التي اندلعت من أجلها الاحتجاجات،
من جانبها، رحبت المعارضة السودانية بحذر باستقالة بن عوف عن منصبه، مرجعة ذلك إلي تصميم الشعب السوداني علي التغيير، ومرحبة بالفريق ، واعتبر تجمع المهنيين السودانيين المنظم للتظاهرات التي أدت إلي عزل الرئيس عمر البشير، أن تنحي رئيس المجلس انتصار لإرادة الشعب السوداني، كما دعت قوي إعلان الحرية والتغيير السودانيين إلي البقاء في ساحات الاعتصام، أمام القيادة العامة للجيش إلي أن تتحقق مطالب الثورة والاطمئنان علي وضع ومستقبل السودان الجديد الذي يحلم ببنائه كل أطياف الشعب السوداني بعد انتهاء حكم البشير.

التعليقات
أضف تعليق