تـقـاريـر

مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي في شهر رمضان
الأثنين 13/5/2019 الساعة 8:58 مساء
صالح ابو مسلم

لشهر رمضان الكريم عادته الخاصة والأصيلة ومظاهره الاحتفالية المتعددة والضاربة في القدم عند أهل قنا، وبما تتميز  به تلك المحافظة عن غيرها من كرم وخلق وحب للعبادة وزيادة التقرب إلي الله في هذا الشهر الفضيل، ناهيك عن أنها أمدت مصر بالكثير من المواهب والعقول النيرة التي أضافت الكثير للمصريين في شتي مجالات الحياة، ومن أهم ما يميز تلك المحافظة هو تراثها الأصيل وعادتها وتقاليدها المميزة خلال شهر رمضان لما فيها من مظاهر الطاعة والجود والكرم وكثير من العادات الأصيلة المرتبطة بشهر رمضان، فلا تكاد تخلو مدينة أو نجع بقنا من تلك المظاهر الفلكلورية الثرية التي تسعد أصحابها خلال شهر رمضان، إلا أن تلك المظاهر تتجلي وتظهر بأحلي عادتها وصورها عند مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي الذي يمتلئ عن آخره بعد صلاة المغرب استعداد لصلاة العشاء والتراويح وقراءة القرءان وتجمع الأهل والأحباب وصولا إلي صلاة الفجر، وزيارة المقام وقراءة الفاتحة، لتمتلئ القلوب الخاشعة بالطمأنينة والسكينة وصفاء العبادة خلال شهر الصوم وأيامه الجميلة، ناهيك عن المظاهر المتعددة التي تحيط بالمسجد من حركة البيع والشراء، ووجود المساكين والمحتاجين من حوله حيث تكثر البركات والصدقات والتراحم وزيادة البيع والشراء مع فرحة الزائرين من كل الأعمار الذين قدموا بأزيائهم التقليدية ابتهاجا وفرحة بهذا الجو الرمضاني الرباني بعبقه المميز.

نبذة تاريخية عن سيدي عبد الرحيم القناوي ومسجده مسجد عبد الرحيم القناوي يعد من أجمل المساجد التاريخية التي أنشئت في عصر الدولة الأيوبية في محافظة قنا بمصر مصر، يتكون المسجد المقام الآن وفقا لموسوعة الويكيبديا من صحن مربع مغطي بسقف به شخشيخة تعلو قبة صغيرة ضحلة، ويحيط بالصحن أربعة إيوانات عميقة متعامدة، وفي الركن الجنوبي الشرقي للمدخل توجد مئذنة الجامع وخلف الإيوان الشمالي يوجد الضريح، وهو عبارة عن غرفة كبيرة مربعة تعلوها قبة ترتكز علي رقبة تقوم علي دلايات، وسيدي عبد الرحيم القناوي هو السيد عبد الرحيم بن احمد بن حجون عبد الرحيم القناوي هو عالم دين وتفسير يرجع نسبه ومولده إلي دولة المغرب، وينتهي نسبه إلي الإمام الحسن رضي الله عنه ولد عام 521 هـ / 1127م بمدينة ترغاي بإقليم سبتة بالمغرب وتعلم علي يد والده، وحفظ القرآن في الثامنة من عمره، وتوفي أبيه وهو في الثالثة عشر من عمره، وصعد المنبر وخطب بالمسلمين وتعلم الفقه والحديث ببلاد المغرب وهو ابن الرابعة عشر ثم حل محل والده، وأمضي خمس سنوات معتلياً منبر الجامع، يعلم الناس ويعظهم، بأسلوبه الخاص الذي يبكي الروح والعين، قبل أن تناديه مكة فيشد الرحال إليها. خلال موسم الحج العاشر، التقي القناوي بالشيخ مجد الدين القشيري القادم من مدينة قوص، عاصمة صعيد مصر، ومنارتها في هذا الوقت، منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، فتصادقان، وحاول القشيري أن يقنع عبد الرحيم بأن يستقر في مصر، ووافق عبد الرحيم علي الرحيل إلي مصر بصحبة القشيري، الذي كان إماما للمسجد العمري بقوص، وكانت له مكانته المرموقة بين تلاميذه ومريديه، وذلك في عهد الخليفة العاضد لدين الله، آخر خلفاء الدولة الفاطمية.

لم يرغب عبد الرحيم البقاء في قوص، وفضل الانتقال لمدينة قنا، تنفيذاً لرؤي عديدة أخذت تلح عليه في الذهاب إليها، والإقامة بها، فقوص ليست في حاجة إليه، فقد كان بها ما يكفي من العلماء والفقهاء الأمر الذي جعله يستقر بقنا ويقضي بها عامين معتكفا، وقد عينه الأمير الأيوبي العزيز بالله شيخاً لمدينة قنا، فعرف منذ حينها بعبد الرحيم القنائي. أما المسجد فقد أنشئه المسجد الأمير إسماعيل ابن محمد الهواري الشهير صومع وهو جد الصوامعه حيث قام ببناء مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي في عام 1136م، كما قام الأمير همام ابن يوسف الهواري أمير الصعيد بتوسعته وزيادته، وأوقف عليه اوقافات زادت في مساحته وفرشه، وقد تم إعادة بنائه في عهد الملك فاروق عام 1948م الذي أمر بإزالة المبني القديم الذي بناه حيث يوجد الضريح داخل المسجد، وأما مولده الشهير فيقام خلال شهر شعبان من كل عام ويستمر لمدة 15 يوم، حيث يتوافد عليه أبناء الصعيد ومن كافة أنحاء الجمهورية، وسط مظاهر دينية احتفالية كبيرة لما يحظي به هذا الولي عند أحبابه ومريديه، وما يحفل به هذا المولد الكبير من مظاهر فلكلورية متعددة تميز تلك المحافظة عن غيرها ومنه علي سبيل الذكر حلقات المديح لأكبر وأشهر المنشدين، وحلقات ذكر ومدح وتجارة واستثمار إذ تتحول المنطقة بأكملها إلي مول تجاري، لكنه بلا حدود أو قيود، فكل المنتجات موجودة وكل الألعاب الترفيهية متاحة وبأسعار تتناسب مع مختلف الطبقات، ففي كل ركن حول المسجد، تجد من يبيع حلوي شعبية وبجانبه من يبيع منتجات يدوية مصنوعة بأيادي قنائية، وفي ركن آخر تجد من يبيع ألعاب أطفال بمختلف أنواعها وأشكالها، إضافة إلي وجود لعبة وتحطيب، وختان الأولاد، ولعبة المرماح التي تعد أبرز الألعاب التراثية خلال الاحتفال بالمولد ومن كرم الضيافة وإطعام الطعام ومما يقدمه الأهالي الموسرين من أطعمة وأضاحي ونقود، وما يقدمه البائعون من حلوي وحمص وسوداني وغيرها من العاب الأطفال خلال مولد القناوي، ولهذا تحتفل محافظة قنا مع بزوغ ليلة النصف من شعبان بساحة المسجد، بالليلة الختامية لمولد العارف بالله سيدي عبد الرحيم القناوي، بحضور ومشاركة آلاف المحبين والمريدين للقطب الصوفي الراحل والتي يسبقها حلقات تحطيب يتم إقامتها في منطقة مجاورة لمسجد السيد عبد الرحيم القناوي، ويتنافس فيها محبي اللعبة في جو ودي بلعبة التحطيب والعصا التي يرجع تاريخها إلي الفراعنة، ويقصدها الكثير من عشاق اللعبة من مختلف المحافظات المصرية، وبين أروقة وجدران المسجد تنتشر حلقات الذكر للطرق الصوفية المختلفة، التي تتنافس ما بين حلقات لقراءة القرآن الكريم و أخري تتباري في مديح المصطفي صلي الله عليه وسلم والصلاة عليه طمعًا في شفاعته يوم الحساب، و حلقات أخري تتداول سيرة صاحب المسجد والمقام، وسط تواجد مكثف لأجهزة الأمن، لتأمين الجموع الغفيرة التي حضرت من مختلف محافظات وقري مصر المختلفة، بل ومن دول عربية وإسلاميه، وسط منافسة غير عادية من المحبين لإلقاء نظره علي الضريح وقراءة الفاتحة والمشاركة في إحياء هذه الليلة من كل عام. وخلال شهر رمضان يعتبر أهالي قنا مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي وكأنه قبلتهم، فهم يتوافدون علي المسجد بعد الإفطار وصلاة المغرب من اجل أداء صلاة العشاء والتراويح وقراءة القرءان والتعبد إلي الله، وقراءة الأذكار بشكل جماعي لوقت متأخر من الليل وذلك في ظل حضور عدد كبير من رموز وقيادات أبناء المحافظة ومن زوارها، ومن أهم المظاهر الدينية التي توجد عند مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي هو تجهيز مائدة الرحمن يوميا خلال شهر رمضان بمحيط المسجد سيدي حيث يشارك الرجال الأطفال والشباب في إعداد الموائد المخصصة لاستقبال الوافدون علي مائدة الرحمن من اجل تناول الإفطار والتي لا تخلو من اغني وأجود الأصناف ومن تجهيز العصائر، ومن أنواع الحلوي الرمضانية المختلفة التي تتميز بها المحافظة.


التعليقات
أضف تعليق