عربية ودولية

روبرت يتهم الصين بالمسؤولية عن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات
الأربعاء 15/5/2019 الساعة 1:27 مساء
في حب مصر

بعيدا عن أجواء التصعيد والتوتر الساخنة التي تشهدها منطقة الخليج حاليا علي خلفية الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، ونذر المواجهة العسكرية التي تلوح في الأفق بينهما، تخوض واشنطن علي جبهة أخري، وفي أقصي شرق الكرة الأرضية، مواجهة أخري لا تقل سخونة مع العملاق الصيني، لكنها ليست مواجهة عسكرية بل حرب تجارية حامية، بين أكبر اقتصادين في العالم، يخشي كثير من المراقبين أن تلقي بانعكاساتها السلبية علي الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلا.

وفي مؤشر علي التصعيد الذي تشهده هذه الحرب بين واشنطن وبكين والتي استعرت حدتها في السنوات الأخيرة، شهدت الأيام الماضية تبادلا لفرض رسوم جمركية بمليارات الدولارات علي صادرات البلدين، كل منهما إلي الآخر، حيث قررت الصين فرض رسوم علي سلع أمريكية تصل قيمتها لنحو 60 مليار دولار، وذلك بداية من يونيو المقبل، وجاءت الخطوة الصينية بعد ثلاثة أيام من قرار الإدارة الأمريكية بمضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة علي السلع الصينية المستوردة للسوق الأمريكي.

وقد ألقت هذه التطورات بظلالها علي أوضاع الأسواق المالية الأوروبية والأمريكية التي شهدت تراجعا كبيرا في الأيام الماضية، وسط تحذيرات من تهديد هذه المواجهة التجارية بين الصين والولايات المتحدة لاستقرار الاقتصاد العالمي، ومعدلات النمو في التجارة العالمية، ووصف صندوق النقد الدولي التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة والصين علي المستوي التجاري بأنه 'كان واحدا من العوامل التي أدت إلي تراجع نمو الاقتصاد العالمي نهاية العام الماضي'، وتشير التوقعات إلي أن معدل نمو الاقتصاد العالمي سينخفض هذا العام إلي 2.9% من نسبة 3 في المائة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة سترفع الرسوم المفروضة علي البضائع الصينية إلي السوق الأمريكية والمقدرة قيمتها بنحو 200 مليار دولار، من 10 في المائة إلي 25 في المائة، وذلك اعتبارا من هذا الأسبوع، وقال إنها يمكن أن تفرض رسوما جديدة أيضا علي هذه السلع، وأعطي ترامب تعليمات لوزارة التجارة بالاستعداد لرفع الرسوم علي بقية السلع الصينية والتي تبلغ قيمتها 325 مليار دولار لكنه قال إنه 'لم يتخذ قرارا بعد برفع الرسوم علي بقية السلع'.

وكان من المفترض زيادة الرسوم علي الواردات الصينية للولايات المتحدة، منذ بداية العام إلي 25 في المائة بدلا عن 10 في المائة فقط، لكن تم تأجيل تنفيذ هذه الزيادة بهدف إتاحة الفرصة لإنجاح المفاوضات التجارية بين البلدين.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلي أن واشنطن كانت قد قررت العام الماضي فرض رسوم جمركية علي وارداتها من عدد كبير من السلع الصينية بنسبة 10 في المائة.

وبينما حذر ترامب، الصين من الرد بخطوة مماثلة علي رفع الرسوم الأمريكية، فإن بكين لم تلق بالا لهذه التحذير، وردت علي الخطوة الأمريكية بالمثل، حيث قررت رفع الرسوم علي 5000 سلعة أمريكية بنسب تتراوح ما بين 5 و25 في المائة، وشملت زيادة الرسوم الجمركية الصينية سلعا مثل اللحوم وأنواعا من الخضروات والعصائر وزيت الطهي والشاي والقهوة، وفيما بدا ردا علي تصريحات ترامب قال المتحدث باسم الخارجية الصينية، جانغ شوانغ، إن بلاده لن ترضخ أبدا للضغط الخارجي.. بينما عبر وزير التجارة الصيني عن أسف بلاده 'لاضطرارها إلي اتخاذ الإجراءات المضادة في حال تنفيذ المعايير الجديدة للرسوم الجمركية في الولايات المتحدة'.

ويسوق ترامب إجراءاته التصعيدية الأخيرة تجاه الصين للرأي العام باعتبارها تصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي، وأنها ستدر علي الولايات المتحدة دخلا يقدر بمليارات الدولارات، نتيجة زيادة الرسوم.. إلا أن واحدا من أبرز المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي، وصف قرار فرض رسوم جمركية علي الصادرات الصينية بأنه خاطيء.

واعترف 'لاري كودلو'، الذي يرأس المجلس الاقتصادي الوطني، بأن الشركات الأمريكية هي من سيتحمل الرسوم علي أية سلع يتم استيرادها من الصين، وأن المستهلك الأمريكي سيدفع فاتورة ذلك إذا قررت الشركات تحميله هذه الفاتورة.

وكانت المفاوضات التجارية بين الصين والولايات المتحدة انتهت يوم الجمعة الماضي في واشنطن دون التوصل لاتفاق حول تسوية الخلافات بينهما. وتتهم الولايات المتحدة الصين بارتكاب ممارسات غير عادلة، مثل دعم الحكومة الصينية للشركات المحلية، وسرقة حقوق الملكية الفكرية من شركات أمريكية، وتري واشنطن أن هذه الممارسات هي التي أدت إلي حدوث فائض في الميزان التجاري لصالح الصين.

وقد اتهم روبرت لايتهايزر الممثل التجاري للولايات المتحدة، الصين بالمسؤولية عن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات، بتراجعها عن التزاماتها في المحادثات التجارية، إلا أن المسؤول الأمريكي أكد أن التوصل إلي اتفاق ينهي الحرب التجارية مع بكين لا يزال ممكنا.

وبينما تحّمل واشنطن الجانب الصيني المسؤولية عن الحرب التجارية بين البلدين بسبب ما تعتبره تراجع بكين عن التزاماتها في الاتفاق التجاري، يري محللون أن الحرب التجارية الأمريكية مع الصين وإن كانت الأكثر حدة، إلا أنها ليست سوي جزءا من حرب واسعة تخوضها الولايات المتحدة، مع العديد من شركائها التجاريين، بما فيهم الاتحاد الأوروبي، بهدف تحقيق ما تراه تجارة عادلة بين الأطراف المختلفة.

وقد تزايدت هذه النزعة بشكل لافت منذ وصول ترامب إلي البيت الأبيض، ولا تخفي واشنطن قلقها المتزايد من تصاعد نفوذ الصين في الاقتصاد العالمي، لاسيما بعد إطلاق مباردة الحزام والطريق وتنامي حجم وتأثير الشركات الصينية في الأسواق العالمية.
ويبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية نحو 19 تريليون – ألف مليار – دولار في حين يبلغ حجم الناتج المحلي للصين نحو 12 تريليون دولار.

وفي ضوء هذا الفارق الضخم يعتقد البعض، أن الصين قد تخسر الحرب التجارية مع أمريكا، وتستسلم في نهاية الأمر، لاسيما وأن الميزان التجاري بين الجانبين يميل لصالحها، لكن خبراء اقتصاديون يرون أن هذا اعتقاد خاطيء، فالصين لديها العديد من الأوراق التي يمكن أن تستخدمها في وجه الإجراءات التجارية الأمريكية ضدها، ومن بينها إقامة علاقات تجارية وثيقة مع دول أخري لعزل واستبعاد الولايات المتحدة، فعلي سبيل المثال، خفضت الصين الرسوم الجمركية علي السيارات غير الأمريكية بهدف الضغط علي واشنطن، كما أنها تقوم بتنفيذ حملة علي الشركات الأمريكية، مثل التحقيقات البيئية أو مكافحة الاحتكار وغيرها من الإجراءات التي من شأنها أن تؤثر علي تنافسية هذه الشركات.

ويتفق كثير من المحللين الاقتصاديين علي أن كلا الطرفين سيتضرران من هذه الحرب التجارية بينهما حاليا وأن الجميع خاسرون في هذه الحرب، وهو يفرض علي الطرفين الجلوس في النهاية علي مائدة المفاوضات للبحث عن حلول للخلافات التجارية الحالية ووضع حد لهذه الحرب التي لا يبدو أن أحد سيفوز فيها، ولعل هذا ما يفسر حرص كلا الطرفين علي ترك الباب مواربا للتوصل لتسوية لهذه الحرب، وقد يحدث ذلك علي هامش قمة الدول العشرين المقررة أواخر شهر يونيو المقبل في اليابان، والتي ستشكل فرصة اللقاء والتفاوض بين قادة البلدين.

التعليقات
أضف تعليق