عربية ودولية

أوروبا أسقطت أسطورة 'المرأة الحديدية' في بريطانيا.. ماي علي خطي مارجريت تاتشر
الجمعة 24/5/2019 الساعة 10:42 مساء
في حب مصر

بسبب أوروبا سقطت تيريزا ماي كما سقطت مارجـريت ثاتشر من زعامة حزب المحافظين.
 وبحسب تقرير نشره موقع بي بي سي البريطاني فإن ماي ليست كثاتشر تاريخيا، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بزعامة تركت بصمة في تاريخ البلاد، وهي ليست كثاتشر علي الأقل في الطريقة التي دخلت بها إلي عشرة داونينج ستريت في يوليو عام 2016.

وأيا كانت طموحاتها وبرامجها في رئاسة الوزراء، فإن كلمة واحدة أطاحت بكل ذلك: إنه البريكست.

لقد خيم البريكسيت علي الفترة التي تولت فيها ماي منصبها، والتي استمرت نحو 3 سنوات، وبذلت ماي جهدا كبيرا لتحقيق نتيجة الاستفتاء الذي دعا إليه سلفها، ديفيد كاميرون، كما تعرضت خلال هذه الفترة أيضا لانتقادات من كل الأطراف وضربات سياسية من كل الزوايا تمثلت في استقالات مفاجئة لوزرائها وتمرد برلمانيي حزبها، ولكنها ظلت تتعهد بتفعيل 'إرادة' الشعب البريطاني رغم تقلص نفوذها وسيطرتها علي البرلمان والحزب.

وربما كان الأمر سيختلف لو أنها فازت في الانتخابات العامة عام 2017 بأغلبية مريحة كما كانت تتوقع، إذ بات عليها أن تعتمد علي دعم الحزب الديمقراطي الوحدوي من إيرلندا الشمالية بعد فقدانها الأغلبية التي كانت تتمتع بها في مجلس العموم.

لم تندمل جراح ماي مطلقا جراء تلك الانتخابات، إذ ساد شعور يفيد بأن العديد من النواب يريدونها في موقعها حتي تكمل مهمة البريكست قبل أن يتخلصوا منها لصالح بديل أقدر علي كسب أصوات الناخبين.

وكان عليها التعهد بالاستقالة قبل الانتخابات المقبلة المقررة في عام 2022 عندما ناضلت للفوز باقتراع بحجب الثقة طرحه نواب حزبها.

ومع اقتراب النهاية اتهمت ماي العديد من نواب البرلمان بأنهم السبب في الطريق المسدود الذي وصلت له عملية البريكست. ثم عرضت الرحيل من المنصب قائلة لمنتقديها إنها ستتنحي لو دعموا اتفاقها بشأن البريكست.

كيف استغرق 'بريكست' وقتا أطول من بناء برج إيفل والسفر إلي المريخ؟

ووصفها زميل لها في حزب المحافظين بأنها 'امرأة صعبة للغاية'. وهي الصفة التي اعتبرتها وسام شرف، أما زملاؤها الآخرون من المحافظين فاعتبروها شخصية جافة من الصعب معرفة ما تفكر فيه.

وكانت طريقتها في التركيز في أمر واحد فقط قد رفعتها لقمة حزب يفضل عادة الرجال من خلفيات مميزة.

البداية

ماي ابنة قس 'علمها أن تتعامل مع الناس كما هم، وبشكل متكافئ' كما قالت، وقد لقي حتفه في حادث سيارة وعمرها 25 عاما.

ولدت في ايستبورن في إيست ساسكس في الفاتح من أكتوبر 1956 وترعرعت في منطقة ريفية بأوكسفوردشر حيث التحقت بالمدارس الحكومية.

وكانت الصغيرة تيريزا مندمجة في حياة القرية، مشاركة في صناعة الخبز في الصباح الباكر لتكسب بعض المال.

طموح مبكر

ويتذكر أصدقاؤها من الزمن البعيد تلك الشابة الصغيرة تيريزا الطويلة القامة الأنيقة التي تتحدث عن طموحها في أن تصبح أول رئيسة وزراء في بريطانيا.

ومن هواياتها التي مازالت متعلقة بها حضور المسرحيات الموسيقية وتسلق الجبال مع زوجها، فضلا عن الطبخ، إذ تقول إن لديها أكثر من 150 كتابا في الطبخ.

في عام 1976 أثناء عامها الثالث بجامعة أكسفورد التقت زوجها فيليب الذي يصغرها بعامين والذي كان رئيس اتحاد طلبة الجامعة.

وتقول تيريزا وفيليب إن الحب من أول نظرة الذي جمعهما. وقد تزوجا عام 1980.

ويقول أصدقاؤها في تلك الفترة إنها كانت اجتماعية للغاية وتتمتع بحس الدعابة.

وبعد التخرج حاملة شهادة في الجغرافيا بدأت عملها في بنك إنجلترا وقد ترقت فيه حتي وصلت لمنصب رئيسة وحدة الشئـون الأوروبية.

في عام 1992 وضعت قدميها للمرة الأولي في مياه السياسة عندما خاضت الانتخابات مملثة لحزب المحافظين في مقعد شمال غرب دورهام، وهو مقعد عمالي في العادة، وقد حصلت علي المركز الثاني بفارق كبير.

وبعد ذلك بعامين، خاضت انتخابات في دائرة باركينج شرقي لندن في وقت لم تكن فيه حكومة المحافظين في أحسن حالاتها من حيث الشعبية فحصلت علي أقل من ألفي صوت، ولكن حظها كان علي وشك التغير.

ففي عام 1997 فازت بمقعد دائرة بيركشر علي منافسها ديفيد هاموند الذي صار وزير خزانتها في ما بعد، وقد ظلت تحتفظ بهذا المقعد منذ ذلك الحين.

وفي عام 1999 انضمت ماي لحكومة الظل التي شكلها المحافظون بزعامة وليام هيج كوزيرة تعليم. وفي عام 2009 أصبحت وزيرة العمل والمعاشات في حكومة الظل.

وفي تلك الفترة قادت مبادرة لترشيح المزيد من النساء عن حزب المحافظين.

وزيرة الداخلية

وبعد تحالف حزب الأحرار الديمقراطيين مع المحافظين لتشكيل حكومة عام 2010، وكان أول ائتلاف حكومي منذ 70 عاما، تولت حقيبة الداخلية.

وفي الوقت الذي كانت وزارة الداخلية تعد قبلة الموت للعديد من السياسيين في بريطانيا، رفضت ماي أن يحدث لها ذلك.

فقد قضت أطول فترة في منصب وزير داخلية في تاريخ بريطانيا الحديث أي نحو 6 سنوات.

ورغم نزعتها الليبرالية في بعض الجوانب مثل موقفها من سلطات التفتيش الممنوحة للشرطة فإنها اصطدمت مع نائب رئيس الحكومة وزعيم حزب الأحرار الديمقراطيين، نك كليج، حول خطط زيادة الرقابة علي الانترنت لمكافحة الإرهاب.

وقد تراجعت معدلات الجريمة في عهدها كما نجحت في ترحيل أبو قتادة ومنع تسليم قرصان الكمبيوتر البريطاني، غاري ماكينون، للولايات المتحدة.

وخاضت نزاعا مع زميلها مايكل جـوف في يونيوعام 2014 حول أفضل طرق مكافحة التطرف وانتهي الأمر باعتذار جوف لرئيس الوزراء ولماي لطرده مستشارا خاصا خدم لفترة طويلة.

وكانت ماي قد أخفقت في تحقيق تعهد حكومتها بخفض معدل الهجرة لـ 100 ألف سنويا، وقد واصلت العمل علي تحقيق هذا الهدف بعد توليها رئاسة الحكومة.

وكان قرارها بجعل حياة المهاجرين غير الشرعيين أصعب، عن طريق تقييد حصولهم علي العلاج وغيرها من سبل الحياة وتعهدها بتنفيذ 'راحل أولا واستمع للاستئناف لاحقا'، أمرا يلاحقها عندما أصبحت رئيسة وزراء.

وكانت فضيحة ويندروش التي شهدت ترحيل مواطنين من الكومنولث، عاشوا لعقود في بريطانيا لأنه ليس بحوزتهم الأوراق الصحيحة، قد أطاحت بخليفتها أمبر رود التي عاد لاحقا للحكومة بعد أن ألقي تحقيق في الفضيحة بالمسئـولية علي مسئـولين بالوزارة.

رئيسة الوزراء

وفي يوليو عام 2016 أصبحت زعيمة لحزب المحافظين ورئيسة للوزراء دون انتخابات عامة بعد استقالة ديفيد كاميرون.

كانت في الـ 59 من عمرها حينئذ فكانت أكبر رئيس حكومة سنا يدخل داوننج ستريت منذ جيمس كالاهان عام 1976 وأول رئيس حكومة ليس لديه أبناء منذ تد هيث.

ونادرا ما تحدثت ماي عن حياتها الخاصة رغم أنها كشفت عام 2013 أنها تعاني مرض السكري من النوع الأول، ولابد أن تحصل علي جرعة الأنسولين مرتين في اليوم لبقية حياتها، وقالت حينئذ إنها تتعايش مع هذا الأمر مشيرة إلي أنه لا يؤثر علي عملها.

وبعد توليها رئاسة الحكومة قالت إن البلاد بحاجة لانتخابات مبكرة لأنها تحتاج إلي 'قيادة قوية' في أعقاب الاستفتاء علي الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وكانت استطلاعات الرأي تشير إلي تقدمها بـ 20 نقطة علي العمال فرأت أن الفرصة سانحة لتقوية ساعدها في مفاوضات البريكست المقبلة مع بروكسيل.

فوز بطعم الخسارة

كانت واثقة من الفوز فرفضت دعوة جيرمي كوربن زعيم حزب العمال لمناظرة تليفزيونية، وقد جاءت النتيجة بغير ما أرادت.

رغم فوزها حقق العمال انتصارات كبيرة في تلك الانتخابات التي أعادت الساحة السياسية لعصر الحزبين الكبيرين كما فقد ماي الأغلبية وبات عليها الاعتماد علي دعم الحزب الديمقراطي الوحدوي من أيرلندا الشمالية في مجلس العموم.

كانت ماي مؤيدة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي عام 2016 رغم أنها نادرا ما شوهدت خلال حملة البقاء لدرجة أن الموظفين في داوننيغ ستريت أطلقوا عليها حينئذ 'ماي الغواصة' لأنها دأبت علي الاختفاء كلما احتاج كاميرون لدعمها علنا لحملة البقاء.

وفي الوقت نفسه يراها العديد من النواب المؤيدين للبريكست أنها غير مؤمنة بقضيتهم لذلك بذلت كل جهدها لتبديد شكوكهم.

فقد دأبت ماي علي التصريح بأن 'البريكست يعني البريكست' وتعهدت بتنفيذ 'إرادة' الشعب التي عبر عنها في الاستفتاء.

وقد فعلت المادة 50 من اتفاقية لشبونة في أوائل عام 2018 لتبدأ عامين من التفاوض مع الاتحاد أكدت خلالهما مرارا استعداد بريطانيا للخروج دون اتفاق قائلة 'لا اتفاق خير من اتفاق سيئ'.

ولكن تعثرت المفاوضات مع بروكسل علي خلفية ملف الحدود في أيرلندا الشمالية.

وفي تلك الفترة استقال الوزيران بوريس جونسون وديفيد ديفيس قائلين إن هذا ليس البريكست الذي يريدانه.

كما تبخرت أيضا الآمال في التوصل إلي اتفاق تجاري، إذ تتناول المحادثات الآن مهلة انتقالية مدتها 21 شهرا للسماح بمزيد من الوقت للتفاوض.

النهاية
وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018 كشفت ماي عن مسودة اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي بشأن البريكست لتفاجأ بسلسلة من الاستقالات من فريقها.

وقالت ماي حينئذ إن هذا الاتفاق هو أفضل اتفاق يمكن الحصول عليه، لأنه سيوفر انسحابا منظما من الاتحاد الأوروبي بأقل قدر ممكن من الاضطراب للمواطنين والأعمال التجارية سواء للبريطانيين أو الأوروبيين.

ولكن قضية الحدود الأيرلندية ظلت حجرا عثرة فالاتفاق يحول دون عودة النقاط الحدودية بين أيرلندا الشمالية والجنوبية حتي يتم التوصل إلي اتفاق تجاري في نهاية المرحلة الانتقالية ولكن لا يوجد إطار زمني لهذه العملية.

وقد عارض الحزب الديمقراطي الوحدوي الداعم لماي ما ورد في مسودة الاتفاقية بشأن الحدود في أيرلندا.

وكان علي ماي تمرير اتفاقيتها في البرلمان الذي اعترض علي الخطة 4 مرات تخللتها محاولة لسحب الثقة منها من نواب حزبها تارة ومن حزب العمال تارة أخري.

وقد اختلف نواب حزب المحافظين بين من يريد وقف البريكست وإجراء استفتاء ثان ومن يريد بريكست ناعما وأولئك الذين يريدون الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، ولكنهم جميعا اتفقوا علي رفض اتفاق تيريزا ماي.

وفي هذه الفترة صوت البرلمان برفض الخروج دون اتفاق وهو أمر كانت ماي تصر دائما علي بقائه علي مائدة التفاوض.

وقد اضطرت إلي إجراء تصويت علي إرجاء البريكست وهو أمر كانت تصر علي رفضه، وكان عليها الاعتماد علي نواب العمال لتمرير هذا المقترح بعد تمرد نواب المحافظين عليها.

ثم تعرضت لمزيد من الإذلال عندما وافقت علي مشاركة بريطانيا في انتخابات البرلمان الأوروبي وهو الأمر الذي أشارت سابقا إلي أنه غير مقبول.

وأخيرا استسلمت ماي فهي لن تستطيع مواصلة 'العمل الذي تحبه' وعليها الرحيل من داونينج ستريت.

وقالت ماي 'لقد بذلت كل جهدي' في بيان استقالتها من منصبها وهي الاستقالة التي ستكون سارية المفعول من 7 يونيو المقبل.

التعليقات
أضف تعليق