مـقـالات

'التصالح'.. والمخالفات
الأحد 8/9/2019 الساعة 8:29 مساء
تهاني تركي

يعتبر القانون هو الحكم الوحيد الذي يحكم بين الناس في أي مشكلة يحدث فيها تعارض ما بين طرفين، فالقانون وحده هو  المنصف وهو من يعطي كل ذي حق حقه إذا أغتصب منه أو تغول عليه طرف أخر، وبالتالي فإن الاحتكام للقانون هو الأساس الذي تقوم عليه الدول المتحضرة، والتي تحفظ للناس حقوقها وتعاقب المخطئ علي الفور، هذه المقدمة أعتقد انها هامة قبل الدخول في موضوعنا، وهو المخالفات في البناء التي حولت أحياء ومدن مصر الهامة إلي كتل خرسانية عشوائية، تفتقد لأي معايير أو ضوابط قانونية، ولا يحكمها الا 'هوي المقاول.

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 أستشرت في كل المدن ظاهرة البناء المخالف، وعانت العاصمة، قبل العشوائيات والقري من هذه الظاهرة التي تغولت وتوغلت لتقضي علي البقية الباقية من التناسق المعماري والحضاري، وكلنا بالطبع شاهد فوضي البناء في أحياء ومدن بعينها اعتمادا علي فساد المحليات، فالاسكندرية التي كانت تباهي بجمال مظهرها وطابعها المعماري كل دول حوض البحر المتوسط، تحولت بين عشية وضحاها إلي نموذج صارخ لمخالفات البناء، وتم هدم الفيلات القديمة، وبناء أبراج شاهقة الارتفاع مكانها، وكان برج الأزاريطة الذي مال علي البرج المجاور له هو خير دليل علي الحال 'المائل' الذي وصل إليه واقع الإدارات الهندسية التي تمنح التراخيص.

ثلاثة أطراف تشاركوا في استشراء ظاهرة مخالفات البناء هم المقاول والإدارة الهندسية والمواطن الذي أشتري وحدة سكنية في بناء مخالف طمعًا في سعر أقل ومساحة أكبر، وهؤلاء الثلاثة، لا يجب أن يفلتوا بجرمهم، بحجة جلب موارد للدولة والحفاظ علي الاستقرار الاجتماعي وخلافه من مبررات تساق من قبيل اصحاب 'الهوي والمصلحة.

في دور الانعقاد السابق لمجلس النواب تمت الموافقة علي قانون التصالح في مخالفات البناء، وتم إصدار اللائحة التنفيذية، وبدأ بالفعل تطبيق القانون، ومع ذلك مازالت المخالفات مستمرة، ومازالت المباني تقام جهارًا نهارًا، حتي في المناطق التي تحكمها مواصفات بناء خاصة، ويتفنن المقاولون في التحايل علي حملات الإزالة، التي تتم علي فترات متباعدة، حيث يقومون بتشطيب الأدوار العليا المخالفة وتسكينها فورًا، أو الايهام بتسكينها من خلال وضع قطع من السجاد والمفروشات علي شرفات هذه الشقق.

رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب كان قد أكد قبل صدور قانون التصالح، إنه من الصعوبة بمكان أن تقوم الدولة بإزالة آلاف المخالفات التي ظهرت عقب الانفلات الأمني الذي صاحب ثورة 25 يناير، لذا كان من اللازم أن يصدر تشريع مؤقت يحل هذا الأمر ثم يعاقب من يخالف بعد ذلك وتتم إزالة المخالفة فورًا.

أكاد استشعر أن المنطق الذي يحكم الأمور، يبدو أنه منطق 'البزنس' وليس الحفاظ علي هيبة الدولة، لأنه لا ينصرف إلي معاقبة المخطئ، ولكنه ينصرف إلي جمع حصيلة من الغرامات وكفي، ثم التصالح مع من تجاوز في حق الدولة ولم يحترم قوانينها، وكأنها 'خناقة' في حارة، انتهت بتطيب الخواطر ومعاتبة المخطئ.

وكأننا نخرج ألسنتنا لأصحاب الضمائر.. ونقول لهم 'موتوا بحسن ظنكم.. في ظل منطق يكافئ المخالف'.

التعليقات
أضف تعليق