تـقـاريـر

جاك شيراك وداعا لهذا الرئيس الإنسان
الأحد 29/9/2019 الساعة 9:45 مساء
صالح ابو مسلم

احدث خبر وفاة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الذي وافته المنية عن عمر يناهز 86 عامًا حزنا كبيرا داخل  فرنسا ولدي قادة وشعوب العالم، لم لا وهو الذي مارس العمل السياسي منذ نعومة أظافره وصولا إلي تخرجه من مدرسة العلوم والإدارة الفرنسية ليحتل الكثير من المناصب الهامة والرفيعة ووصولا إلي توليه رئاسة فرنسا لولايتين متتاليتين عمل خلالها علي خدمة بلاده وخدمة قضايا العالم عندما عاش متحليا بأرفع المثل ولصبح بحكمته وحنكته ورباطة جأشه وقيمه رجل سلام لمساعدته بمواقفه القوية للمستضعفين وتشجيعه للإخاء وحب الآخر والعيش المشترك داخل فرنسا، وبانفتاحه وانحيازه للكثير من بلدان العالم وبخاصة حبه ونصرته لقضايا البلدان العربية وعلي رأسها القضية الفلسطينية، وموقفه من غزو أمريكا للعراق، وصداقاته الحميمة وشراكات فرنسا المثمرة مع الكثير من البلدان العربية والإفريقية وغيرها، ولهذا فقد خسر العالم قائدا وزعيما من العيار الثقيل رجلا من زمن القيادات الدولية القوية والزمن الجميل، رجل المبادئ والمثل والرؤية المستقبلية الثاقبة لخدمة بلده وخدمة القضايا الدولية ووقوفه من اجل نصرة الحق في وجه الأقوياء، فلقد عاش طوال حياته كقديس للسلام، ويعد رحيله خسارة كبيرة لرجل بهذا القدر وهذا الحجم وهذا التاريخ الحافل بالمواقف التي لا تنسي وبكل تلك الانجازات التي تمكن من خلالها أعادة فرنسا لسابق مجدها ومكانتها بعد انفتاح بلاده علي كل شعوب العالم.
فمن هو جاك شيراك؟
ولد الرئيس الراحل جاك شيراك يوم 29 نوفمبر عام 1932 بضواحي باريس, وبدء دراسته في مدرسة سانت فيريول بعدها كمل دراسته في مدرسة ليسيه كارنو, بعد كده دخل مدرسة لويس لو جرا في سنة 1951 دخل معهد الدراسات والعلوم السياسية في پباريس و تخرج منه عام 1953 أبان فترة حكم الرئيس جورج بومبيدو، وتقلد لنبوغه ودهائه السياسي مناصب رفيعة بالجمهورية الفرنسية الخامسة وعمل مع الكثير من زعماء فرنسا بعد أن دخل إلي عالم السياسة محققًا العديد من المناصب، ففي عام 1962 حصل علي منصب رئيس الموظفين التابعين لرئيس الوزراء الفرنسي جورج بومبيدو. وجعلته مهارته في التعامل مع الأمور المفضل عند بومبيدو، فمنحه لقب البلدوزر، وخلال عام 1967 حصل علي مقعدٍ في الجمعية الوطنية عن الحزب الديجولي، ومع أواخر الستينيات شغل جاك شيراك مناصب عديدة منها توليه منصب سكرتير وزير الاقتصاد من عام 1968 وحتي، 1971ثم وزيرًا للعلاقات مع البرلمان الفرنسي من عام 1971 حتي 1972، وتزامنت تلك المرحلة مع تولي جورج بومبيدو منصب الرئيس الفرنسي، وفي عام 1972 تم انتخابه كوزيرٍ للزراعة والتنمية الريفية، ثم وزير التجارة الداخلية عام 1974، ليتم تعيينه عام1976 رئيسًا للوزراء في فترة عهد الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان، إلا انه وبسبب الخلافات الشخصية والفكرية بين شيراك والرئيس ديستان في هذا الوقت، قدم شيراك استقالته من منصبه عام 1976، ثم رئيسا للوزراء مرة أخري في عهد الرئيس فرانسوا ميتران من 20 مارس 1986وحتي 10 مايو 1988، ثم عمدة پاريس من سنة 1977 لسنة، ، 1995 ويعد جاك شيراك الرئيس الخامس للجمهورية الخامسة و الرئيس رقم اثنين و عشرون في تاريخ فرنسا، فقد تقلد منصبه الرئاسي الأول في 17 مايو عام 1995 وحتي العام 2002، والثاني من 2002 وحتي 16 مايو عام 2007، ودع بعدها الرئيس السابق شيراك الشعب الفرنسي، وألقي بهذه المناسبة كلمة عبر فيها عن إخلاصه للشعب الفرنسي وخدمة البلاد.

وسياسيا فقد انتمي الرئيس شيراك لتيار يمين الوسط وظل يتمتع بشخصية بارزة في المشهد السياسي الفرنسي لعقود، وأقر الفرنسيون بأن فترة رئاسته كانت الأفضل مقارنة بالرؤساء الفرنسيين الذين خلّفوه وسموه لذلك بـسيد الإليزيه وفق استطلاع رأي سابق أجراه معهد إيفوب الفرنسي، لما لا وقد كان شيراك طوال حياته في نظر شعبه وفيًا لمبادئ الجمهورية الخامسة التي أسسها زعيمه الروحي شارل ديجول، وفي عام 1976 أسس حزب 'التجمع من أجل الجمهورية، الذي سُرعان ما تحوّل إلي رأس حربة اليمين الفرنسي. وبعد ذلك أسس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية في عام 2002، والذي استولي عليه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي وغيّر اسمه إلي حزب 'الجمهوريون'. وكان أحد إصلاحاته السياسية الكبيرة تقليص الولاية الرئاسية من 7 إلي 5 سنوات تماشيًا مع ولاية البرلمان، رغم تقليص ولايته الثانية، وعلي المستوي الدولي فقد تحوّل شيراك في نهاية رئاسته الأولي عام 1995 إلي مُحامٍ يدافع عن الكرة الأرضية وأحد دعاة التضامن مع الدول الفقيرة وعلي رأسها بلدان أفريقيا التي كان يزورها مرة علي الأقل كل عام ومدافعا عنها في كافة المحافل والمنتديات الدولية، ومن أهم انجازاته أنه اعتمد العملة الأوروبية الموحدة، كما تم إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وتخفيض فترة الرئاسة من سبع إلي خمس سنوات، ومما لا ينسي له خلال انتهاء فترة الحرب الباردة دعوته الشهيرة وحلمه بعالم متعدد الأقطاب لكره للهيمنة الأمريكية ودعوته بنزع الأسلحة في سبيل تحقيق السلام، وكان أول من حذر العالم في جوهانسبرج من مشكلة التغير المناخي قائلا نحن الذين ندمر بيتنا بأيدينا، وفي مجال الإبداع كتب خلال مسيرته 6 كتب منها خطاب لفرنسا في لحظة الاختيار، وبصيص من الأمل، تأملات في المساء من أجل الصباح، فرنسا للجميع، و كتاب كل خطوة ينبغي أن تكون هدفًا، وهو عبارة عن سيرة ذاتية تحدث خلال صفحاته عن أصول عائلته وحياته الاجتماعية والسياسية، كما ارتبط اسم الرئيس الراحل جاك شيراك في مخيلة مشجعي كرة القدم بصورته وهو يشجع بفرحة وتلقائية منتخب بلاده الذي حصل علي كاس العالم عام1998، ومحتفلا بحميمية ووطنية وتشجيعه وهتافه مع الجماهير من داخل إستاد دي فرانس بضاحية سان دوني بكل هدف من أهداف منتخب فرنسا الثلاثة التي سجلوها في مرمي منتخب البرازيل خلال المباراة النهائية ثم تسليمه للميداليات لمنتخب بلاده
ووفقا لأراء المحللون فقد تميز شيراك بدهائه السياسي ومرونته في إدارة دفة الحكم مع اليسار في صيغة تعايش استثنائية. فقد تقاسم السلطة مع ميتران عندما تولي منصب رئيس الوزراء في عهده، ثم خلال فترة تعايش ثانية بين اليمين واليسار كان فيها رئيسًا للدولة، بينما تولي فيها الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئيس الوزراء وهي الفترة التي تعتبر من ازهي سنوات الحكم بفرنسا والتي شعر المواطنون جميعا بمن فيهم المهاجرون بتحقيق مبادئ الثورة الفرنسية وهي العدل والحرية والإخاء والمساواة.

علاقة جاك شيراك بالبلدان العربية

تمكن الرئيس الراحل شيراك من إقامة علاقات إيجابية وصداقات مع عالمنا العربي انطلاقا من مصر والعراق وفلسطين ولبنان ووصولا إلي بلدان المغرب العربي وبخاصة الملكة المغربية ويرجع ذلك إلي مواقفه الشجاعة حيال قضايا الشرق الأوسط، وأبرزها انحيازه للدولة الفلسطينية وإقراره بحقها في إقامة دولتها، ثم فورة الغضب التي انتابته أثناء زيارته لإسرائيل عام 1996 أمام رجال الشرطة الإسرائيلية أمام باحة المسجد الأقصي قائلا لقائد الشرطة بنبرة ساخطة 'بنيّ، هل تريدني أن أعود إلي طائرتي، وإقدامه علي مصافحة الفلسطينيين والاعتراف بحقوقهم، ومقابلته للرئيس الراحل في قصر الاليزيه كرئيس دولة ثم رفضه القاطع لمشاركة بلاده في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العراق عام 2003، مُتحديًا بذلك الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، عندما أوكل شيراك في حينه إلي دومينيك دو فيلبان الذي كان وزير لخارجيته مهمة قيادة المعركة الدبلوماسية في الأمم المتحدة ضدّ غزو العراق. ويومها هدّد الرئيس الفرنسي باستخدام الفيتو في مجلس الأمن الدولي وسعي إلي تشكيل جبهة رفض في وجه التحالف الأمريكي بعد خطاب دوفل بان الشهير بمجلس الأمن الذي اعترض علي الحرب علي العراق معتبرا فرنسا بأنها صوت وضمير العالم الأمر الذي عكر صفو العلاقات مع أمريكا، ولم يكتفي شيراك بذلك بل عاتب الدول الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية لانحيازها لواشنطن، ناهيك عن موقف شيراك الايجابي من الرئيس القذافي وعزلة ليبيا ومساندته في التخلص من القضايا الدولية والعقوبات ومن ثم عودة ليبيا إلي العالم، إضافة مع مساندته وحبه للشعب اللبناني ووقوفا بجانبه في عدوان إسرائيل عليها عام 2006، ومواقفه الاقتصادية مع وجود الرئيس الراحل رفيق الحريري ومؤتمرات باريس الاقتصادية لدعم لبنان، ودوره الذي لا ينسي في صدور القرار الدولي 1559 وانسحاب القوات الأجنبية من لبنان، وكان أول الحاضرين والمعزين في وفاة الرئيس الحريري وصدمته لحادث اغتياله عام 2005 لما لا وقد كان الرجلان الراحلان يعتبران نفسيهما صديقين، وليس مجرد رجلي سياسية تجمعهما الدبلوماسية، ثم حبه لمصر وصداقاته وعلاقاته القوية مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك منذ افتتاح الاثنين لمترو أنفاق القاهرة عام1987، وهو أول مترو أنفاق في القارة الإفريقية والشرق الأوسط ثم تطور العلاقات القوية بين الزعيمين والشعبين المصري والفرنسي، كما ارتبط بصداقة متينة مع مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد، وكذلك بالعائلة السعودية الحاكمة وتحديدًا الملكين الراحلين فهد بن عبدا لعزيز وعبد الله بن عبدا لعزيز، وصداقاته المتينة مع الملك المغربي الراحل الحسن الثاني الذي كان صديقه الشخصي طوال عقود وللمغرب كافة، إضافة إلي حبه وانفتاحه علي إفريقيا، ويرجع بعض المحللون انجذاب جاك شيراك تجاه البلدان العربية والإفريقية إلي انتماء شيراك وإيمانه بمدرسة شارل ديجول السياسية التي كانت ترفض التبعية وتقاوم سيطرة النظام الرأسمالي علي الشعوب والمجتمعات، مُعتبرة أنه آخر تلاميذ هذه المدرسة السياسية التي نجحت في بناء تحالف مع الدول العربية.

ولكل انجازاته وعطائه واحترام شعوب العالم واحترام وتقدير الشعب الفرنسي له، فقد نعاه قادة وزعماء العالم بأرق المعاني وأجمل الكلمات فقال عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالحكيم وصاحب الرؤيا الثاقبة والأفق الواسع، وقال الرئيس السابق فرنسوا هولند أن فرنسا فقد جزا من تاريخها، وقالت عنه المستشارة الألمانية بأنه كان شريكا أساسيا ورفيق ضرب مستقبل الاتحاد الأوربي،
وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية مينا اندرييفا، إن أوروبا لم تخسر فقط رجل دولة عظيما وإنما خسرت أيضًا صديقًا مُقربًا، وعبر رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عن 'التأثر البالغ' جراء رحيل 'رجل دولة عظيم وصديق مقرب'. بدوره، أشار رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز إلي 'قائد طبع السياسة الأوروبية'، فيما أشاد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بـزعيم سياسي رائع رسم مصير فرنسا، وعبرت السلطة الفلسطينية عن حزن الشعب الفلسطيني العميق علي وفاة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك صديق الشعب الفلسطيني، ونعي رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الرئيس الراحل قائلا غاب عن العالم اليوم رجل من أعظم الرجال الذين أنجبتهم فرنسا و أن شيراك قد رحل بعدما كتب تاريخاً حافلاً بالإنجازات تشهد عليها قضايانا العربية واللبنانية، وأمسك بيد لبنان في أصعب الظروف، فيما سارع قادة العالم إلي الإشادة بالراحل الكبير وأشار بعضهم وبتأثر وأسا كبير إلي صداقاتهم معه، ونعاه الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزارة الخارجية المصرية كما تفاعل الشعب المصري معه ناهيك عن تفاعل الجالية المصرية والعربية الكبيرة بفرنسا، كما نعته السفارة الفرنسية بالقاهرة، كما نعاه الكثير من القادة والسياسيون والمسئولون الفرنسيون، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن شيراك كان فرنسيا عظيما حرا وجسد فكرة معينة عن فرنسا والعالم، وتم فتح قصر الاليزيه أمام جموع الشعب لتقديم العزاء واعتمدت السلطات الفرنسية اليوم الاثنين الموافق 30 من سبتمبر الجاري يوم حداد وطنيا تقديرا منها للرئيس الراحل سوف يتخلله قداس في كنيسة سان سولبيس في باريس بسبب ترميم كنيسة نوتردام، وذكرت عائلة شيراك أنه سيتم تنظيم مراسم تكريم شعبية للرئيس السابق، وأطفئت أنوار برج إيفل ليل الخميس الماضي إكراما لروح شيراك، فيما عرضت صور من كان يوما عمدة للعاصمة أمام بلدية باريس، واليوم الأحد ومنذ الصباح الباكر أقامت السلطات الفرنسية بباريس تكريما شعبيا داخل صرح قصر الأنفاليد الشهير لإتاحة الفرصة أمام الفرنسيين لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة علي رئيسهم، كما سيشارك في مراسم دفنه عدد كبير من رؤساء وحكومات العالم تقديرا منهم لهذا الرئيس العظيم.

التعليقات
أضف تعليق