مـقـالات

'روح' أكتوبر
الأحد 6/10/2019 الساعة 8:32 مساء
تهاني تركي

في عيد نصر أكتوبر الذي حلت الذكري السادسة والأربعون له أمس، استضافت البرامج الإذاعية والتليفزيونية العديد من  الخبراء، الذين تحدثوا عن روح أكتوبر التي يجب استعادتها، والبسالة التي أبداها شعب مصر في مواجهة الظروف القاسية، وكيف تحمل المواطنون في هذ الايام، نقص المواد الغذائية، وشظف العيش، وكيف انهم لم يلتفتوا لأية أصوات تنتقد صمودهم، وأشار هؤلاء الخبراء إلي أننا في حاجة ماسة لمثل هذه الروح في وقتنا الحالي، حتي نستطيع أن نعبر هذه المرحلة الحرجة، وعابوا علي الشعب المصري عدم قدرته علي تحمل أعباء الإصلاح.

سمعت هذه الآراء واندهشت لطريقة التفكير التي تخلط ما بين حالتين تصعب المقارنة بينهما، بل إن المقارنة هنا ظالمة.

ففي سنوات ما قبل أكتوبر، كان الشعب المصري في غالبيته العظمي يعيش حياة بسيطة، باستثناء قلة هي من كانت تعيش حياة مرفهة من بقايا الاقطاع وأصحاب الأملاك، وكان أسلوب الحياة الذي خطط له الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، هو السائد، فمعظم الناس كانت تعلم أبناءها في المدارس الحكومية، ولم تكن المدارس الخاصة منتشرة علي هذا النحو، ولم تكن الدروس الخصوصية، ذلك الشبح الذي يطارد أولياء الأمور، قد ضرب بكل المعايير كل أسس العملية التعليمية.

كانت المدارس الحكومية علي أفضل ما يكون، وكان المعلمون يبذلون أقصي جهدهم لتأهيل الطلاب، فلم يرهق أولياء الأمور في دوامة الدروس الخصوصية، ولم تكن يوما هي الشغل الشاغل لهم كما يحدث الآن.

أحد الخبراء تذكر كلمة الرئيس عبد الناصر عن الاقتصاد في تناول الشاي، وكيف ان الشعب تقبل هذه المطالب بكل ارتياح، مع التصميم علي التحمل وتكملة المشوار، غير أن من يطالب بذلك نسي، كيف كانت حركة الأسواق تدار، وكيف كان مفتشو التموين يعملون علي ضبط حركة الأسعار، ومنع الغش أو الاحتكارات، أما الآن فالقفزات المتتالية في الأسعار لا يتحمل عبئها سوي المواطن البسيط، الذي انهكه الغلاء، وتحمل ما يفوق طاقته، دون أن يكون هناك ضبط حكومي لحركة الأسواق، أو القضاء علي احتكار السلع والمتاجرة بأقوات الناس.

العلاج كان حقا مكفولا لجميع المرضي، وبأرخص تكلفة، وكان الأطباء وهيئات التمريض يعملون في المستشفيات الحكومية والوحدات الصحية، التي توفر له أيضًا الدواء والعمليات الجراحية، أما الآن فالمريض الفقير ينتظره أحد طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يصارع آلام المرض ويعاني الإهمال في المستشفيات الحكومية، وإما أن يضطر للاستدانة، أو بيع ممتلكاته البسيطة، حتي يتمكن من قطع جزء بسيط من رحلة العلاج.

روح أكتوبر صنعتها حالة من الإحساس بالبسطاء والانحياز لهم، وصنعتها تربية وتعليم غرس في الوجدان قيمًا ومثلاً، ليتنا نستعيدها.. قبل أن نتحسر علي ما كان..

التعليقات
أضف تعليق