مـقـالات

وشم الذاكرة الوطنية
الأحد 3/11/2019 الساعة 7:53 مساء
سلوي علوان

كنا في المرحلة الابتدائية، حين ذهبنا في رحلة مدرسية إلي المتحف الزراعي وإلي القبة السماوية، لم نكن نعرف طبيعة  هذه الأماكن التي سوف نذهب إليها ودارت الأسئلة بيني وبين زملائي عن هذه الأماكن التي سوف نزورها في رحلتنا ولم تكن لدينا وسائل التكنولوجيا المتاحة اليوم لمعرفة أية تفاصيل عنها، وحين توقف بنا 'الباص' أمام المتحف الزراعي، وقفنا في صفوف منتظمة، ودخلنا إلي قلب المتحف ونحن في حالة شغف عما يحمله من أسرار.

كانت تماثيل الشمع تنطق جمالًا وإبداعًا وتتحدث عن تاريخ لم يدركه جيدًا عقلنا الصغير، إلا أن هذه الصور حفرت في ذاكرتنا العقلية والبصرية والقلبية أيضًا، نعم فللمشاعر ذاكرة تجتر ما مر بها من ذكريات حزينة كانت أم سعيدة، كان المشرفون علي رحلتنا يطلبون منا برفق ألا نلمس التماثيل وألا نعبر الحواجز المحيطة بها حرصًا عليها، ربما وقتها كان منعنا من لمسها غير منطقي فما الذي يضير تمثالاً إذا ما لمسته أيادٍ صغيرة كأيادينا؟ لكننا أدركنا أهمية ذلك بمرور السنوات، خرجنا من المتحف الزراعي وقلوبنا فرحة وعقولنا ترسم قصصًا وحكايات لهذه الشخوص والكائنات الشمعية التي جسدتها التماثيل، كان هذا محور حديثنا أثناء طريقنا من المتحف إلي القبة السماوية، وكانت تنتظرنا هناك أسطورة أخري.

جلسنا في بهو كبير في شكل دائري، وأظلمت القاعة تمامًا بينما تعالت همساتنا ونحن في انتظار ما ستسفر عنه هذه الإجراءات التي تبدو كمفاجأة لمن هم في مثل أعمارنا، ثم بدأت موسيقي خافتة، وأضاءت القبة من أعلاها، فرفعنا أنظارنا إليها حيث بدت كسماء ليلة صافية مليئة بالنجوم المتلألئة، جاء صوت المذيع عبر مكبرات صوت هادئة لكنها قوية ليحكي لنا عن النجوم والقمر وأسرار السماء وأساطير الحكايات القديمة التي كنا نتوارثها جيلًا بعد جيل..

لا أعرف حتي اليوم كم مضي من الوقت آنذاك في هذه الرحلة التي أخذتنا عبر الزمن فتجاوزت حدود المكان إلي السماء والمجرات والنجمات وأسرار الكون والحكايات.. لكن كل ما أدركناه جميعًا أن هذه الرحلة تحديدًا تركت في ذاكرتنا ونفسي الكثير من التفاصيل التي أثرت في مشاعرنا ورؤيتنا للحياة وإحساسنا بمنشآت ومؤسسات وطننا وارتباطنا بها فيما بعد..

إن ما نراه ونتعلمه ونحن صغار يصبح وشمًا في قلوبنا وعقولنا لا يمحوه الزمن، ولا تغيره الأحداث، وهو المشروع الذي يجب أن تعمل عليه الدولة المصرية بكافة مؤسساتها ووزاراتها، إذا كنا وجدنا من يهتف ضد مؤسساتنا ومن يعمل علي هدمها دون أدني شعور بالانتماء ولا المسئولية ودون إحساسه بالارتباط بهذه المنشآت فنجد من يحرق ومن يسرق ومن ينهب ومن يفسد، كل هذا لأن شيئًا غاليًا بات غائبًا، وهو الانتماء، وهو في رأيي أخطر قضية نواجهها في وطننا العربي منذ سنوات طويلة، إن شيئًا عزيزًا فقدناه في نشأة صغارنا الذين صاروا اليوم شبابًا وأجيالاً جديدة تخطو أولي خطواتها في الحياة سوف تسير علي هذا النهج الضال إذا لم نبدأ بكل طاقتنا في تدارك الأمر، علي الدولة أن تتبني مشروعًا قوميًا حقيقيًا وتنويريًا يعمل علي استعادة الهوية وتدشين روح الانتماء لدي الأطفال والشباب، وفي هذا الصدد كان نموذج أوركسترا وزارة الشباب والرياضة ورحلاتها ولكن هذا فقط لا يكفي، وإنما نحن في أمس الحاجة إلي خطة حقيقية كبري تشعل مراكز الشباب بالحياة وتحولها إلي مراكز إنتاجية وتخلق لمنتجات الشباب منافذ بيع وأسواق داخل مصر وخارجها، وأن تتحول قصور الثقافة في كل ربوع مصر إلي مشاعل نور للعقول والقلوب، وأن تعاد مادة التربية الوطنية عمليًا إلي المناهج التعليمية بالمدارس مرة أخري ولكن بما يتلاءم مع تكنولوجيا العصر وعقول الأطفال والشباب، علينا أن نفعل ما يمد جسور الرحمة والمحبة بين الأجيال الجديدة وبين تراب وحجارة ومنشآت وطنهم وأن يشعروا بأن هذا الوطن يمنحهم حتي يستطيعوا أن يمنحوه، كما هو حال شهدائنا من رجال الجيش والشرطة الذين يضحون بحياتهم كل يوم من أجل هذا الوطن، لقد تربي هؤلاء في مؤسسات عسكرية علمتهم كيف يحبون هذا البلد ويمنحونه حياتهم بمنتهي الرضا، وخير دليل علي هذا أعداد الضباط والجنود الذين يتقدمون بالآلاف من الطلبات للذهاب إلي الخدمة في سيناء كلما اشتدت الحرب هناك..

هذا النهج الذي بدأت تنفذه وزارة الداخلية حين نظمت رحلات لطلبة المدارس لزيارة منشآتها وتعريفهم بها وبتضحيات أبنائها، ومنحهم الهدايا التذكارية التي ستظل حتمًا، وشمًا في الذاكرة يربطهم بحبل سري مع تراب هذا الوطن، حبل لا تقطعه آلام مخاض جيل من بعد جيل.

التعليقات
أضف تعليق