مـقـالات

الإسلام والعلمانية وقضية الحجاب بفرنسا
الأحد 3/11/2019 الساعة 7:57 مساء
صالح ابو مسلم

فرنسا دولة لا دينية منذ العام 1905، فهي لا تعترف بالأديان ولا تعاديها، فدستورها ينص في مادته الثانية علي أنها  جمهورية علمانية، لكنها تحترم كل الأديان، فنظريا وقانونيا، يعامل الإسلام في فرنسا كما تعامل جميع الأديان هذا ما تنص عليه قوانين كثيرة أما في الواقع المعيش فيختلف الأمر قليلًا أو كثيرًا وفقا لتعاقب السياسات وتقلبات الأحداث المتعلقة بالإسلام ومنها مظاهر الإرهاب والتطرف الديني والفكري محليًا أو عالميًا.

وخلال الأسابيع الماضية عادت مرة أخري للواجهة قضية الحجاب في أوروبا وقضايا العنصرية ضد المسلمين لتثير أزمة في فرنسا وذلك بعد أن طلب رئيس مجموعة التجمع الوطني اليميني المتطرف في جلسة لمجلس إقليمي مؤخرا بمقر بلدية مدينة بورجوني الفرنسية من سيدة محجبة نزع الحجاب الذي ترتديه أو الخروج من القاعة بحجة القوانين العلمانية للجمهورية الفرنسية الأمر الذي تسبب في انقسام داخل المجتمع الفرنسي، وأثارت الواقعة جدلا في المجلس حيث رفضت رئيسة مجلس البلدية لاستجابة لطرد السيدة وأكدت بأنها حضرت الجلسة ضمن مجموعة من الأمهات المرافقات للتلاميذ المدعوين لجلسة نقاش بمقر البلدية ولها الحق في ارتداء الحجاب لان القانون لا يمنع ذلك الأمر الذي أدي إلي فوضي بالقاعة، وأثار سجالا بين اليمين المتطرف والحزب الاشتراكي. ومن ثم إعادة الجدال حول تواجد المسلمين بفرنسا وقضية الحجاب والعلمانية، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد حذر مؤخرا من التطرف الإسلامي ومشددا في الوقت نفسه علي ضرورة عدم الخلط بينه وبين الإسلام كديانة، داعيا إلي عدم التسبب في انقسامات داخل المجتمع الفرنسي، ولاتخاذ خطوات عملية التقي الرئيس ماكرون مساء يوم الاثنين الموافق 28 من شهر أكتوبر الماضي بقصر الإليزيه بممثلين من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بعد تجدد الجدل بشان الإسلام والعلمانية بفرنسا اثر عودة قضية الحجاب الإسلامي مجددا وإثارة الجدل في الأوساط السياسية والثقافية والشارع الفرنسي طوال شهر أكتوبر الماضي 2019، دعا خلالها الرئيس ماكرون ممثلي مجلس الديانة الإسلامية بمحاربة الطائفية والتطرف والاسلمة، وتأكيده لهم بأن ارتداء الحجاب في الفضاء والأماكن العامة ليس من اختصاص الدولة أي ليس من شأنها، بينما ارتداؤه داخل المرافق العامة وفي المدرسة أين تجري تربية الطلبة تصبح علي رأس أولوياته، ولهذا فقد أعلن الرئيس ماكرون عن نيته في اتخاذ مجموعة من التدابير لمحاربة الطائفية في قطاعات التعليم والصحة ومختلف القطاعات العامة في البلاد، موضحا أن اللقاء سيتناول الطريقة التي يمكن من خلالها أن يعيش الفرنسيون المسلمون بهدوء مع احترامهم التام لجميع قوانين الجمهورية، وذلك بعد تخوف السيدات المسلمات بشأن الحجاب والذي أصبح قضية هستيرية يقودها ويستغلها بعض السياسيين اليمينيين وغيرهم بعد أن ظل النقاش حوله مستمرا منذ العام 1989، و بشأن احتدام تلك القضية أقر مجلس الشيوخ الفرنسي يوم الثلاثاء الماضي اقتراح قانون قدمه أعضاء من حزب الجمهوريون اليميني لحظر ارتداء الرموز الدينية للسيدات المرافقات لأبنائهن أثناء الرحلات المدرسية ومن ثم التصويت عليه بالبرلمان لاحقا، وذلك بعد تظاهر مئات الفرنسيين مؤخرا في باريس ضد ظاهرة الإسلاموفوبيا وتشويه صورة المسلمين في وسائل الإعلام ومن قبل بعض السياسيين، والربط الممنهج والمتكرر بين الإسلام والإرهاب والتطرف، وقد نشرت صحيفة لوموند الفرنسية عريضة موقعة من قبل 90 شخصية ثقافية وفكرية وسياسية بعنوان إلي أي مدي سنمرر كراهية المسلمين؟ وقد ردت عليها مجلة ماريان من خلال صحيفة موقعة من 101 مسلم ومسلمة يعتبرون فيها أن الحجاب ليس فريضة في الإسلام، وأن الحجاب ليس علامة تدل علي التدين، لأن الإسلام ليس دينًا ماديًا، فيما أشار آخرون إلي تأثير الدعاة المتطرفين علي هوية الثقافة الفرنسية باعتبارها جمهورية علمانية، وعليه فقد تحولت وسائل الإعلام الفرنسية خلال الأيام الماضية إلي ساحة جدال بين التيار المحافظ والمناهضين للعنصرية ضد الحجاب والمسلمين في أوروبا، وبين اليمين المتطرف والداعين للحفاظ علي الهوية الفرنسية، كما اعتبر وزير التعليم ميشيل بلانكي مؤخرا من أن الحجاب أمر غير مرغوب فيه داخل المجتمع الفرنسي، كما أعلن وزير الاقتصاد برونو لومير بأن الحجاب الإسلامي لا يمكن أن يكون هو المستقبل المأمول به للثقافة وللمجتمع الفرنسي، كما تصاعدت دعوات البعض لإصدار قانون بمنع الحجاب نهائيا، ولهذا فقد أثار الحادث جدلا واسع النطاق واستنكر عدد كبير من الفرنسيين المعاملة المهينة للسيدة المحجبة أمام ابنها، كما أثار الحادث جدلا آخر أكثر قوة حول الحجاب وارتدائه في بعض الأماكن، ولربما كان الجدل الآن أكثر قوة من نظيره الذي حدث منذ ٣٠ عاما تقريبا مع بداية أزمة الحجاب في فرنسا، عندما حاولت ثلاث تلميذات في إحدي المدارس الإعدادية في خريف عام ١٩٨٩ الدخول إلي المدرسة بحجابهن، وانتهي الأمر بعد 15 عامًا من الجدل بصدور قانون يمنع أي إشارة دينية في الملبس والمظهر في المدارس وداخل مؤسسات الدولة وموظفيها الذين يتعاملون مع الجمهور، مقابل أن يسمح بارتدائه فقط في الجامعات وللسيدات اللواتي يترددن علي هيئات الدولة لإنهاء مصالحهن.وكانت نتائج استطلاع الرأي التي أجراها المعهد الفرنسي للرأي العام إيفوب مؤخرا قد أظهرت بأن غالبية كبيرة من الفرنسيين ترغب في حظر واسع النطاق ومتزايد لكل ما يرمز إلي ديانة ما بشكل علني في الأماكن العامة، كما يأتي هذا الحادث الآن بعد أن عاش الفرنسيون خلال السنوات الأخيرة اعتداءات الباتكلان التي أدت لمصرع ١٣٨ شخصا وجرح المئات وعملية الدهس في مدينة نيس وغيرها، ناهيك عن ظهور تنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي تمكنت من تجنيد الكثير من الأوربيين في صفوف الجهاديين، كما يأتي أيضا متزامنا مع ما تعيشه فرنسا من أزمة اقتصادية واجتماعية حادة ظهرت بقوة وعنف بالشارع الفرنسي مع احتجاجات حركة السترات الصفراء منذ عام.

واهتماما بحل تلك القضية لا تستبعد الحكومة الفرنسية إدخال تعديلات علي قانون العلمانية المعروف بقانون 1905 ضمن مساعٍ جادة لتنظيم شؤون الإسلام في فرنسا، ومن بينها حسم قضية الحجاب بالبرلمان، تلك القضية التي شكلت من خلالها بعض النساء المسلمات في الغرب تحديا لتلك المجتمعات، إذ تعتبر المنظومة العقدية للإسلام عند الغرب موضوعا للحرب باعتبارها تحديا شديد الحساسية لمجتمعاته والتي لا يمكن للغرب أن يتقبلها.

التعليقات
أضف تعليق