مـقـالات

أردوغان وأجداده الدواعش
الأحد 15/12/2019 الساعة 10:00 مساء
جمال رشدي

عبر ستمائة عام، سيطر العثمانيون– ولو صوريًا– علي ما يقرب من نصف بلاد العالم، فذاق من ظلمهم وتوحشهم كل  الشعوب التي وقعت تحت وطأتهم، وعلي رأسهم الشعوب العربية في جزيرة العرب والخليج ومصر وشمال إفريقيا، ومنذ سقوطها في الأول من نوفمبر 1923م، علي يد مصطفي كمال الدين أتاتورك، بإعلان تأسيس الدولة التركية الحديثة، لم ينسَ أحد من المحيط إلي الخليج ومن الغرب إلي الشرق، تلك الجرائم والمذابح الداعشية التي ارتكبها العثمانيون في تلك الفترة التاريخية من الزمن، باستثناء النظام الحاكم للدولة التركية.

الحديث عن جرائم العثمانيين في المنطقة العربية لم ولن ينتهي، رغم مرور عشرات العقود، فلا تزال المنطقة تعاني من ويلات تلك الخلافة المزعومة، التي تقترب إلي حد ما من وحشية تنظيم 'داعش'، وكذلك بمقارنة جرائم العثمانيين في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، يُكتشف كم هائل من التطابق مع أعمال 'داعش' الإرهابية منذ ظهورها قبل سنوات قليلة. ورغم ما يلاحق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان– الذي يطمح في عودة تلك الخلافة الداعشية– من مطالبات دولية بالاعتذار عن 'الإرث السئ' للدولة العثمانية، وما سبّبته من أذي في كل بلدان المنطقة العربية وكل البلاد التي دخلها الجنود العثمانيون، فإنه يعتبر نفسه حفيدًا للخلفاء العثمانيين.

ومن الضروري هنا، أن يتذكر أردوغان والبكائين علي زوال خلافة آل عثمان، كقائد لدولة إمبريالية ذات مطامع متجددة، في هذه المساحة، بما ارتكبوا من مذابح وأهوال ووقائع نهب وسرقة وجرائم يشيب لها الولدان في كل بلدان المنطقة العربية، فالتاريخ العثماني ممتلئ عن آخره بسيئات خلفها في أنحاء العالم التي وقعت تحت غزواتهم. والعجيب أن الرئيس التركي، ينكر ذلك، بل ويدافع عنه بشدة، متجاهلًا أن الدولة العثمانية أهدت العالم الإسلامي إلي دول الاستعمار بأبخس الأثمان، وهو في أضعف الحالات.

تحت حكم الدولة العثمانية حدثت العديد من المذابح، بخلاف مذابح الأرمن التي تمَّت خلال فترة الحرب العالمية الأولي، عندما قام الأتراك بالتعاون مع عشائر كردية بعمليات إبادة لمئات القري الأرمنية في مناطق شرق تركيا. والسبب وراء هذه الإبادة كان محاولة تغيير ديموغرافية هذه المناطق لخشية الأتراك من تعاون الأرمن مع الروس والثوار الأرمنيين، واستخدم الأتراك الأرمن حمالين في الجيش العثماني، ثم قاموا بإعدامهم بعد أن تمَّ إنهاك قواهم البدنية. والأبرز في هذه الإبادة كان في ربيع عام 1915م، عندما قام العثمانيون بجمع المئات من أبرز الشخصيات الأرمنية في العاصمة اسطنبول، ثم إعدامهم في ساحات المدينة، ويقدر عدد ضحايا هذه المجازر من مليون إلي مليون ونصف شخص، من الأرمن الأبرياء في أبشع إبادة جماعية لم يشهد التاريخ لها مثيلًا حينذاك، فتمَّت ضمن خطة مدروسة ونفِّذت بمنهجية محترفة، والإبادة واقع تاريخي موثق بالبراهين والأدلة الدامغة.

وكان من ضمن هذه الجرائم، ما سمِّي بـ'مذابح سيفو' - أي 'السيف' في اللغة السريانية – إذ شنَّت القوات العثمانية سلسلة من العمليات الحربية بمساعدة مجموعات مسلحة شبه نظامية كردية استهدفت الآشوريين والكلدان والسريان في مناطق شرق تركيا وشمال غرب إيران. قتلت هذه العمليات مئات الآلاف من الآشوريين، كما نزح العديد منهم من مناطقهم. ويقدر الباحثون العدد الكلي للضحايا بحوالي 250 – 500 ألف قتيل. ونتيجة لعدم وجود كيان سياسي يمثل الآشوريين في المحافل الدولية، فإن هذه المجازر لم تحظَ بنفس الاهتمام الدولي الذي نالته مذابح الأرمن.

أمَّا مجازر 'ديار بكر'، التي ارتكبتها الدولة العثمانية في ولاية ديار بكر ضد المسيحيين عام 1895، فبدأت باستهداف الأرمن بتحريض من بعض رجال الدولة والدين العثمانيين بحجة أن الأرمن يريدون تفكيك الدولة، وتوسعت هذه المجازر لتشمل كل المسيحيين في المنطقة وعلي رأسهم السريان، وبدأت من الجامع الرئيسي بالمدينة، ثم انتقلت إلي السوق الرئيسي حيث تمَّ قتل المسيحيين، تبعتها عمليات سلب ونهب واسعة. وفي اليوم التالي بدأت عمليات إبادة للمسيحيين عبر الهجوم علي منازلهم.

غزا العثمانيون بقيادة سليم الأول، الدولة المصرية، بقصد الدفاع عن الدين الإسلامي والشريعة، وطوال حكم العثمانيين لمصر، ظلت صلة مصر بالدولة العثمانية ضعيفة غير وثيقة، حيث اقتصر مبتغي العثمانيين علي جباية أموال وخيرات الأمة المصرية، فلم يكن شهر المحرم من عام 923 هجرية، الموافق يناير 1517، شهرًا عاديًا مرَّ كغيره من الأشهر علي أيام مصر المحروسة، ولكنه كان يوم نكبة وحسرة، ولم يقاسِ أهل مصر شدة مثل هذه، إذ وقع فيها مثل ما وقع من جند هولاكو في بغداد وغيرها من الأهوال التي فاقت ما قام به من بعدهم الإنجليز والفرنسيون، بل والاحتلال الإسرائيلي، والتي وصلت لاقتحام الأزهر الشريف ومسجد ابن طولون وجامع الحاكم، وإحراق جامع شيخو، كما أنهم خربوا ضريح السيدة نفسية وداسوا علي قبرها.

سليم خان، الإمبراطور التركي، الذي اقتحم القاهرة، كان رجلًا سيئ الخلق، سفاكًا للدماء شديد الغضب، وروي عنه أنه قال: 'إذا دخلت مصر فأحرق بيوتها قاطبة والعب في أهلها بالسيف'، هكذا كان عزم النية لاقتحام القاهرة وقتل المصريين ونهب خير البلاد، وسرقة منجزها الحضاري، وليس نصرة الدين كما كان يدعي الأتراك، فمن ينصر الدين لا يحرق ويخرب المساجد، وإنما كان الغرض هو هدم الدين ذاته، وإنهاء دولة الخلافة الإسلامية في القاهرة، ليصل الأمر إلي سقوط 10 آلاف من عوام المصريين قتلي في يوم واحد، وغيرها من جرائم الاستعباد الذي كان يقوم به الأتراك للمصريين.

كما يبدو للعيان أن الداعشي العثماني أردوغان يحاول جاهدًا أن يعيد تاريخ الدواعش العثمانيين، فاليوم يعتزم إطلاق اسم فخر الدين باشا علي الشارع، الذي تقع فيه سفارة الإمارات في أنقرة، تخليدًا لذكري ذلك الحاكم العثماني للمدينة المنورة ما بين عامي 1916 و1919، الذي اُتهم بسرقة أموال ومخطوطات من المدينة المنورة عام 1916، خلال الحرب العالمية الأولي، حيث الحقبة التي ترأس فيها السيد حسن فدعق، إمام الشافعية بالحرم المكي، لجنة لإحصاء وإسعاف وإعادة النازحين من أهل المدينة المنورة الذين هجرهم فخر الدين باشا آخر حاكم عثماني لها، وساهم في إرجاع حوالي 5 آلاف ممن نجا من ذلك الظالم، بعد أن أخلي فخر الدين باشا المدينة المنورة من سكانها، لأنه كان يخشي من انضمام أهلها لـ'الثورة العربية'، وكان يحاول – قدر الإمكان – أن يبقيها تابعة للحكم العثماني، إضافة إلي مد خط سكة الحديد إلي داخل المدينة، وهدم البيوت التي كانت في طريق خط القطار، ليتمكن من توصيل السلاح إلي الداخل، وحوّل المسجد النبوي إلي ساحة عسكرية.

حملات التهجير التي قام بها العثمانيون في تلك الفترة، أضرت بسكان المدينة وغيرت ديموغرافيتها، ما أدي إلي سفر أعيان المدينة وأضر بهم ماديًا، ودفع السكان إلي أكل الحشائش لعدم توفر الطعام، وكانت كارثة التهجير الجماعي والقسري التي اشتهرت في الحجاز بـ سفر برلك.. تلك الجريمة النكراء التي وقعت في المدينة المنورة، باقتحام جنود فخري باشا للبيوت الآمنة، وكسر أبوابها عنوة، وتفريق الأسر، وخطف الأطفال والنساء من الطرقات دون رحمة، وجرهم معًا أو متفرقين إلي عربات قطار الحجاز ليتمَّ إلقاؤهم عشوائيًا بعد رحلة طويلة من العذابات في تركيا والأردن وسوريا.

وفي الغالب، لم تكن 'سفر برلك' لأهل المدينة المنورة فقط، بل كانت لكل البلاد التي تديرها الدولة العثمانية، بسبب الحرب العالمية الأولي التي وقعت حينها، فكانوا يأخذون الرجال والشباب القادرين علي حمل السلاح، ليجهزوهم للجبهات والقتال باسم الدولة العثمانية علي يد فخري باشا الذي تمَّ تعيينه حاكمًا عسكريًا للمدينة المنورة، فأخضعها لحكم عسكري قاس، وكان أكثر الحكام الأتراك تسلطًا ودموية وضيق أفق.

أمَّا أجواء الحياة في المدينة المنورة، فنقتبسها من الكاتب ضياء عزيز 'لقد جاع أهل المدينة الذين هجرهم فخري إلي سوريا.. جاعوا بل ومات الكثيرون منهم جوعًا.. لكن قوات فخري نفسها جاعت في النهاية أيضًا.. ذلك الجوع الذي جعلهم يأكلون لحوم الخيل والبغال والحمير التي تنفق من الجوع.. بل ويأكلون لحوم القطط والكلاب.. ولا أستبعد صحة أخبار قالت إن بعض الجياع قد أكلوا لحوم أطفالهم'.

ومن ضمن المتجبرين العثمانيين، القائد الداعشي الشهير بالسفاح، وبالداغستاني، وبالكبير، أحمد جمال باشا '1873 – 1923'، قائد جيش عثماني عين حاكمًا علي سوريا وبلاد الشام عام 1915 وفرض سلطانه علي بلاد الشام وأصبح الحاكم المطلق فيها. وهو من زعماء 'جمعية الاتحاد والترقي'، وقاتل البلغار في مقدونيا، واشترك في الانقلاب علي السلطان عبد الحميد.وشغل منصب وزير الأشغال العامة في عام 1913، ثم قائدًا للبحرية العثمانية عام 1914.
جاء إلي دمشق بعد نشوب الحرب العالمية الأولي 1914 – 1918، واليًا علي سورية خلفا للوالي خلوصي بك، وهو من مواليد عام 1872م، وكان ناظرًا للحربية العثمانية، وندبه الاتحاديون وهو من كبارهم، قائدًا للجيش الرابع لإعداد حملة عسكرية لاحتلال قناة السويس. وكانت منطقة نفوذه تمتد من أقاصي حدود أضنة إلي المدينة المنورة. وكانت أخص أعماله أن يشغل الإنكليز في حدود مصر ليضطروا إلي وضع قوة كبيرة من جيشهم في ترعة السويس، ليخففوا بذلك عن الدولة في جناق قلعة، وعن الألمان في الجبهة الغربية، وقبض جمال باشا علي زمام السلطة في سوريا، واعتمد علي الإرهاب والبطش، وعزز سلطته وبسط سيطرته بالقتل والتشريد للنابهين من العرب، وكان من جراء تأخره في إعداد الحملة أن وجد الخصم فرصة للاستعداد للدفاع، حتي إذا سارت الحملة في 4 شباط 1915 فشلت وهزمت وعادت بقاياها منهوكة ممزقة.

وبناءً علي ما سبق من وقائع تاريخية وشواهد جارية، تبين أن تركيا الحالية لا تقل سوءًا عن الدولة العثمانية التي قوَّض أركانها مؤسس تركيا الحديثة، مصطفي كمال أتاتورك، لأنَّ الدولة التركية تنفي وقوع المجازر التي تؤكدها الأمم المتحدة وتصرُّ علي إنكار المذابح والادِّعاء بأنَّ عدد الضحايا قد تمَّ تضخيمه لخوف تركيا من وصمة العار. فالعثمانية والإخوانية الداعشية، وجهان لعملة الاستبداد الواحدة، وكما أبادت الدولة العثمانية الشعب الأرمني، فإن تركيا الإخوانية – ربَّما – تبيد المخالفين لها من الشعب التركي نفسه.

وفي عموم الأمر، تطل ثقافة الدولة العثمانية من جديد، ولكن ليست علي يد فخري باشا، بل علي أيدي الحركيين والأتراك الذين يدعون لعودة الاحتلال التركي لبلاد العرب، وهم يعلمون يقينًا أن تتريك العرب الذي حاولت السلطنة العثمانية إجبارهم عليه ذات يوم، هو ما فجر الثورة العربية الكبري. وكما فعل فخري باشا قبل قرن من الآن، تحاول تلك الأيادي أن تعود 'لترحيل' الأمن والاستقرار العربي قسريًا إلي شتات الأرض، حاملة رصاص وخنجر 'فخري باشا'، لكنها اليوم لم تسلمه لفخري، بل سلمته للرئيس الداعشي أردوغان الباحث عن سلطنة جديدة وتتريك جديد.

ولذلك، يجب علي تركيا الاعتذار عن جرائمها بحق العرب، وكل من خضع لحكمها الجائر، ويجب أن يطالب العرب بحقوقهم التاريخية حتي الموجودة في تركيا، حيث إن المتاحف خاصة الدينية لديهم، هي متاحف عربية وإسلامية سرقها الأتراك، واليوم تعتبر أكبر رافد اقتصادي لتركيا.

التعليقات
أضف تعليق