كلمة صريحة

ماذا حدث للدنيا؟'1'
الأحد 19/1/2020 الساعة 9:59 مساء
د.محمود بكري

كنا في زمن مضي، نتباهي بالقيم الجميلة التي كانت فينا، الصغير يحترم الكبير، ويجله، ويقدره.. الجار يسأل عن  الجار، ويشاركه أفراحه، وأتراحه.. الغني يعطف علي الفقير، ويساعده في السر، ودون تفاخر أو إعلان.. التسامح كان الصفة المشتركة، التي تجمع السلوك الطيب للمصريين.. كنا كذلك.. ولكن 'ما أبعد الليلة عن البارحة'.. وكأن 'قنبلة نووية' ألقيت علي القيم والأخلاق، فمحت في ضربتها الساحقة أجمل ماكان يتمتع به المصريون، فانتزعت منهم روح التسامح، والألفة، والوفاء، والإخلاص، والعطف علي البسطاء.

وحتي لا يحرف الكلم عن موضعه، نؤكد أن التعميم في الأحكام غير سليم، فمازال الخير فيَّ، وفي أمتي إلي يوم القيامة، مصداقا لحديث رسولنا الأعظم، صلوات الله وسلامه عليه.. بيد أن ما قصدناه هنا، هو تلك الصفات الغريبة، والسلوكيات المريبة، التي طفت علي الكثير من المصريين، فبدلت ماكان معروفا عنهم من قيم، صمدت عبر التاريخ، وحتي في أسوأ مراحله التي عرفناها.

كنا نتباهي بالشعور الراقي لثقافة الاحترام بيننا، فانقلب الحال إلي' خداع وغدر وخيانة للكلمة'.. بل و'خيانة للأمانة'وهي أمور تتناقض مع كل ما نشأ وتربي عليه مجتمعنا المصري، حيث بتنا نفقد أغلي ماكنا نتباهي به، من كنوز الاحترام وحسن الخلق..

قبل سنوات معدودة، كان احترام الكبير، وتقديره، من الثوابت الأساسية في سلوك الصغار تجاه الكبار، غير أن هذا السلوك الطيب، الذي كان حافظا لقيم الحياة، ومحددًا لنظام المجتمع وأخلاقياته، راح يتصدع علي مدي السنوات الماضية، لينقلب الصغار علي كل المفاهيم التي وقفت خلف ثبات العائلات، ونجاح العلاقات الأسرية، فجاءت المحصلة مريرة مرارة العلقم، شباب صغار يسلكون طرق الانحراف، حتي أن ظاهرة الإدمان باتت من الظواهر الخطرة التي تضرب المجتمع بقوة وعنف، وانتشرت في سبيل ذلك عشرات المستشفيات، التي تخصصت في علاج المدمنين، وهو تطور لم يكن أبدا علي هذا النحو المريب منذ عقود قليلة مضت.. أيضًا تمزقت العلاقات العائلية، وأصبح الشاب المقدم علي الزواج، وكأنه يلهث وراء'صفقة تجارية'يحسب فيها كل طرف، محصلة الربح والخسارة فيها، بعد أن تراجعت الأهداف الأساسية من وراء الزواج، كعقد مقدس، يقوم علي الألفة والمحبة والتعاهد علي العطاء مدي الحياة.

ولذا، لم يكن غريبا تلك الإحصاءات المرعبة حول معدلات الطلاق، والفشل المتكرر لحالات الزواج بين الشباب.. فهناك إحصائية تقول إن مصر سجلت أعلي معدلات الطلاق في العالم، حيث بلغت حالات الطلاق نحو أربعة ملايين ونصف المليون حالة، نجم عنها أكثر من تسعة ملايين طفل، ينتظرهم مستقبل غامض علي وقع تلك الزيجات الفاشلة، وفوق ذلك، هناك إحصائية تقول إن أربعة عشر مليون دعوي طلاق يتم تداولها بالمحاكم.

مثل هذه الإحصاءات المرعبة، تنجم عنها تداعيات بالغة الخطورة علي المجتمع والفرد.. فمابين التشتت والضياع، تطفو حالات التطرف والانحرافات، والاتجار بالبشر، وكل ما يذهب بعقول ووعي شبابنا.. والضحية سيكون وطننا، الذي نبذل الغالي والنفيس، ليقف علي قدميه، ويواجه التحديات التي تتهدده من كل اتجاه، وهو ما يستوجب تسليط الضوء علي بؤر الخطر، والتقلبات التي شهدها المجتمع، ودعوة المتخصصين لوضع روشتة علاج، لانتشال شبابنا ومجتمعنا مما بلغوه من انهيارات، بات استمراها كارثة بمعني الكلمة.
وإلي الأسبوع القادم
لنستكمل ما جري

التعليقات
أضف تعليق