تـقـاريـر

إلي أين تتجه بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوربي؟
الثلاثاء 4/2/2020 الساعة 4:18 مساء
صالح ابو مسلم

مع نهاية يوم 31 من يناير الماضي 2020 ودعت ببريطانيا رسميا خروجها من الاتحاد الأوربي الذي كانت قد انضمت  إليه منذ ما يقارب ال47 عام، ولتبدأ علي الفور الدخول بمفردها في فترة انتقالية مدتها 11 شهرا تنتهي في ديسمبر القادم لاستكمال إجراءات خروجها وإتباع قواعد الاتحاد الأوروبي ومنها المساهمة في ميزانية الاتحاد حتي نهاية عام 2020 بغرض توفير مساحة لالتقاط الأنفاس يمكن من خلالها التفاوض علي العلاقة طويلة الأجل بين الطرفين بما في ذلك الصفقة التجارية، وسوف تشرف لجنة مشتركة من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة علي تنفيذ عملية الانسحاب بأكملها، وقد تعهد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون خلالها بعدم طلب التمديد، لتبقي العلاقة التجارية لأيرلندا الشمالية مع بقية دول المملكة المتحدة كما هي الآن خلال فترة الانتقال، ومن ثم التفاوض بشأن تفاصيل اتفاقهما الواسع بشأن أيرلندا الشمالية، والتي ستصبح بدورها خارج الاتحاد الأوروبي، بينما ستبقي جمهورية أيرلندا داخله.

فمنذ العام 2016 وتحديدا في يوم 23 يونيو 2016 وبعد إجراء البريطانيين لاستفتاء عام حول بقاء بريطانيا في عضوية الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه والذي فاز خلاله أنصار الخروج بنسبة 52 في المائة مقابل 48 في المائة طالبوا ببقاء بريطانيا في الاتحاد، منذ هذا التاريخ خاضت ببريطانيا مفاوضات داخلية وخارجية وتحديات صعبة وتظاهرات، وأجرت الكثير من الانتخابات البرلمانية التي تغير خلالها أكثر من رئيس وزراء من أجل الخروج بأقل الخسائر من الاتحاد، وذلك بعد أن تضمنت الصفقة اتفاقا ملزما بين ببريطانيا وبين الاتحاد الأوربي يحدد شروط الخروج الذي يتضمن إعلانا سياسيا غير ملزم يحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بينهما، وقد شمل ذلك الاتفاق علي الكثير من الأمور الملزمة، منها: الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها المواطنون الأوروبيون المقيمون في بريطانيا وحقوق المواطنين البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي، المبلغ الذي ينبغي علي بريطانيا دفعه للاتحاد الأوروبي والمقدر ب 39 مليار جنيه إسترليني، ثم بتقديم ضمانات خاصة حول الحدود بين الجمهورية الأيرلندية ومقاطعة إيرلندا الشمالية البريطانية، وخلال تلك الفترة الانتقالية ستواصل المملكة المتحدة الامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي، ومنها دفع مساهماتها المقررة ولتبقي أغلب الأمور علي حالها، ما عدا سبعة أشياء وهي: ـ

1ـ سيفقد الأعضاء البريطانيون في البرلمان الأوروبي والبالغ عددهم 73 عضواً مقاعدهم بشكلٍ تلقائي، إذ ستغادر المملكة المتحدة جميع المؤسسات والكيانات السياسية في الاتحاد الأوروبي، ثم تستمر ببريطانيا في إتباع قواعد الاتحاد خلال الفترة الانتقالية، لتحتفظ محكمة العدل الأوروبية بحق الفصل في النزاعات القانونية.
2. المشاركة في قمم الاتحاد الأوروبي: ـ
إذا رغب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بحضور قمم الاتحاد الأوروبي مستقبلا فانه يتعين علي الاتحاد توجيه الدعوة إليه بشكلٍ شخصي، كما لن يحضر الوزراء البريطانيون الاجتماعات الدورية للاتحاد الأوروبي المعنية بالنظر في أمور مثل حدود الصيد البحري وغيرها.
3. بدء محادثات تجارية رسمية: ـ
سيصبح بإمكان المملكة المتحدة البدء في إجراء محادثات مع كافة الدول حول وضع قواعد جديدة لبيع وشراء السلع والخدمات، علاوة علي ذلك، لم يزل أمام المملكة المتحدة الكثير مما تجب مناقشته مع الاتحاد الأوروبي، إذ يمثل الاتفاق التجاري بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أولوية قصوي، لتجنب الحاجة إلي فرض رسوم إضافية علي البضائع والحواجز الجمركية، بعد انتهاء الفترة الانتقالية، وفي حال التوصل لاتفاقات تجارية بين الطرفين، فلا يمكن أن تدخل حيز التنفيذ، قبل انتهاء الفترة الانتقالية.
4 ـ عملات بريكست: ـ
ستطرح الحكومة البريطانية ثلاثة ملايين قطعة نقدية تذكارية، من فئة الـ50 بنس
ستطرح الحكومة البريطانية ثلاثة ملايين قطعة نقدية تذكارية، من فئة الـ50 بنس، تحمل عبارة: السلام والرخاء والصداقة مع كل الأمم، إلي جانب كتابة تاريخ الخروج، وبالفعل فقد كشف ساجد جافيد وزير الخزانة البريطاني مؤخر اعن إصدار عملة معدنية جديدة تذكارية احتفاءا ببدء مرحلة جديدة من تاريخ المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ونشر الحساب الرسمي للخارجية البريطانية صورة للعملة التذكارية التي تحمل عبارة، سلام وازدهار وصداقة مع جميع الأمم 5 ـ تغيير لون جواز السفر البريطاني: ـ
ستعود جوازات السفر البريطانية ذات اللون الأزرق الداكن خلال عدة أشهر بعد لونها الأحمر القاني، علي أن تصدر جميع جوازات السفر البريطانية بهذا اللون بحلول منتصف العام الجاري2020.
6ـ إغلاق إدارة شؤون بريكست: ـ
سيتم حل الفريق الحكومي الذي تولي مفاوضات الخروج بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ إنشائه عام 2016، واتخاذ الإجراءات التحضيرية لخروج بريطانيا من الاتحاد دون اتفاق، وبخصوص المحادثات المستقبلية فسيتخذ فريق التفاوض مع الاتحاد من مبني رئاسة الوزراء في داوننغ ستريت كمقراً له.
7 ـ لن ترحل ألمانيا مواطنيها إلي المملكة المتحدة: ـ
لن يتم إعادة بعض المشتبه بضلوعهم في ارتكاب جرائم إلي المملكة المتحدة، حال فرارهم إلي ألمانيا، إذ لا يسمح الدستور الألماني بتسليم المواطنين الألمان إلا للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، هذا في الوقت الذي تقول بشأنه وزارة الداخلية البريطانية إن إصدار مذكرات الاعتقال الأوروبية سيظل ممكناً خلال الفترة الانتقالية، وهو ما يعني أن ألمانيا سيكون بإمكانها تسليم مواطنين غير ألمانيين إلي بريطانيا، وإضافة إلي ذلك هناك أشياء أخري لن تتغير خلال الفترة الانتقالية ومنها: 1 ـ السفر سيعامل المواطنون البريطانيون معاملة الأوروبيين خلال الفترة الانتقالية وسيستمر تسيير القطارات والسفن والرحلات الجوية، وعند مراجعة جوازات سفر البريطانيين سيبقي بإمكانهم الاصطفاف في الطوابير المخصصة لوصول مواطني الاتحاد الأوروبي فقط.
2 ـ رخص القيادة وجوازات سفر الحيوانات الأليفة
ستظل رخص القيادة وجوازات سفر الحيوانات الأليفة صالحة شريطة أن تكون سارية.
3ـ بطاقات التامين الصحي: ـ
ستظل بطاقات التأمين الصحي الأورو لمواطني المملكة المتحدة صالحة لتلقي العلاج الطبي في حالة المرض أو التعرض لحادث أثناء وجودهم في أي دولة أوروبية، ويمكن استخدامها في أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها النرويج وسويسرا وأيسلندا خلال الفترة الانتقالية.
4ـ الإقامة والعمل في الاتحاد الأوروبي: ـ
ستبقي حرية التنقل مكفولة، خلال الفترة الانتقالية، وهو ما يعني أنه سيتسني لمواطني المملكة المتحدة العيش والعمل في أي دولة أوروبية، وكذلك الحال بالنسبة للمواطنين الأوروبيين الراغبين في العيش أو العمل في المملكة المتحدة.
5 ـ المعاشات التقاعدية
سيستمر مواطنو المملكة المتحدة الذين يعيشون في الاتحاد الأوروبي في تلقي معاشاتهم التقاعدية الحكومية، والحصول علي الزيادة السنوية.
6 ـ المساهمة في الميزانية
ستواصل المملكة المتحدة المساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، خلال الفترة الانتقالية، ما يعني أن الاتحاد الأوروبي سيواصل تمويل الخطط البريطانية الممولة من قبله.
7 ـ التجارة: ـ
ستستمر التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي دون فرض أي رسوم أو حواجز جمركية إضافية، وأيضا بحث قطاع الصيد البحري وسرعة توقيع اتفاق سريع يضمن حقوق الطرفين والحفاظ علي منافسة شريفة مع بريطانيا الغنية بالموارد البحرية.

8ـ الرياضة: ـ سيتم خلال الفترة الانتقالية بحث الشئون المتعلقة بالرياضة لتذليل الصعوبات المتعلقة بحقوق اللاعبين الأجانب وبخاصة الذين يحملون جنسيات دول الاتحاد الأوربي لان خروجهم من بريطانيا قد يؤدي بتراجع قيمة الدوري الانجليزي علي سبيل المثال وبالتالي تراجع نسبة المستثمرين الأجانب وتراجع نسبة السياحة والأنشطة الرياضية.
وبهذا الخروج تكون بريطانيا قد عزلت نفسها عن الاستفادة المباشرة من الاتحاد الأوربي أي بخسارتها لثاني اكبر تكتل صناعي واقتصادي وتجاري بالعالم وخسارتها الأكبر الشركات الاستثمارية ورؤؤس الأموال الكبيرة التي انتقلت لمدن أوربية أخري لممارسة أنشطتها بالسوق الأوربية، الأمر الذي يراه المحللون الاقتصاديون مؤشرا بانهيار الاقتصاد البريطاني وعدم تعافيه سريعا خلال المرحلة المقبلة، أما الإجماع الواسع بين الاقتصاديين فيري أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من المرجح أن يقلل من دخل الفرد الحقيقي في المملكة المتحدة علي المدي المتوسط، كما أنه وخلال أل 15 عامًا المقبلة يمكن أن يكون الاقتصاد البريطاني أسوأ بنسبة 3.9% مقارنة ببقائه في الاتحاد الأوربي، ومقابل تلك الآراء هناك أراء أخري تري في هذا الخروج البريطاني استقلالية وتحررا وانفتاحا مع شراكات اقتصادية عالمية كبري واعدة ومنها الشراكة الأمريكية المتوقعة، والإفريقية والخليجية واليابانية والصينية والروسية ومن دول الكومنولث وغيرها من الاقتصاديات العالمية، الأمر الذي يراه هذا القسم من المحللون مؤشرا بانهيار اقتصاد الاتحاد الأوروبي ومكانته بالعالم، وذلك لأن الاتحاد قد فقد ثاني أكبر أعضاءه في الكثافة السكانية وثاني أكبر اقتصاد ويقصد بذلك ببريطانيا وهذا سيؤدي إلي تفكك السوق الأوروبية وخروج دول أخري، ولهذا فان خروج بريطانيا لن يكون الأخير وبالتالي فان الاتحاد الأوربي في طريقه إلي التفكك وعودة الدولة القومية، ومن الناحية السياسية فان فكرة الدولة القومية تاريخيا في أوروبا كانت السبب الرئيسي في نشوب حروب كاريثية وقيام حربين عالميتين مدمرتين، ولهذا فان خروج بريطانيا من أوربا الآن يمكن أن يكون دافعا لنشوء نزعات انفصالية أخري في الاتحاد بل وداخل ببريطانيا نفسها، ويشجع دولا أوربية أخري بل وداخل بريطانيا نفسها علي الخروج والدليل علي ذلك وجود تيارات وأحزاب قومية تدعو إلي الشعبوية والقومية أي بالانفصال عن الاتحاد، وإمكانية مطالبة حكوماتها بإجراء الاستفتاءات علي غرار الخطوة البريطانية، وعن مستقبل ببريطانيا من الناحية العسكرية في ظل خروجها من الاتحاد الأوربي يري بعض المحللون والمراقبون السياسيون بأنه في حالة انهيار اقتصاد الاتحاد الأوروبي يمكن أن يفقد الاتحاد علي إثره قوته العسكرية والدبلوماسية بالعالم لفقدانه بريطانيا باعتبار أنها كانت من أكبر القوي العسكرية إنفاقًا في الاتحاد، ونتيجة لذلك لربما تبدأ الصراعات الحدودية في التزايد داخل أوربا كما كانت من قبل وذلك لرجوع نزعة الدولة القومية ونشوء الشعبوية والأحزاب العنصرية في أكثر من بلد أوربي، يحدث هذا الخروج في وقت تعيش خلاله اسكتلندا حالة ترقب وقلق من مرحلة ما بعد خروج بريطانيا رسميا من الاتحاد الأوروبي وذلك لان غالبية الاسكتلنديين وعلي رأسهم رئيسة الحكومة الحالية يعارضون بريكسيت ويخشون علي مستقبل اقتصادهم خارج الاتحاد الأوروبي ويرتقبون فرصة لإجراء الاستقاء والانفصال عن بريطانيا للدخول في الاتحاد الأوربي إذا ما حصلوا علي ضمانات منه، ومع كل تلك التداعيات يبقي الطريق الذي سوف تسلكه بريطانيا تجاه تحالفاتها وشراكاتها الجديدة غامض بالنسبة للبريطانيين مقابل الاتحاد الأوربي الذي يسعي هو الآخر للتلاحم والتماسك وإمكانية ضمه لأعضاء جدد من داخل القارة الأوربية لتعويض خروج البريطانيين فهل سينجح بوريس جونسون بانفصاله عن أوربا، أم سينجح الأوربيين بدون بريطانيا؟.

مواضيع أخري قد تهمك
التعليقات
أضف تعليق