تـقـاريـر

بعد قرار تطبيق الحظر الصحي.. حياة الفرنسيين تتحول إلي جحيم
الأحد 22/3/2020 الساعة 9:49 مساء
صالح أبومسلم

عاصمة الجمال والنور تتحول إلي مدينة أشباح..
منذ بدء سريان الحظر الصحي الذي فرضته السلطات الفرنسية بداية من ظهر الثلاثاء الماضي الموافق للسابع عشر من  مارس الجاري تحولت المناطق الفرنسية لمدن أشباح، وبدت العاصمة الباريسية شبه خالية من سكانها وذلك بعد انتشار أكثر من مائة ألف من رجال الشرطة والجيش لتطبيق إجراءات الحظر واتخاذ الإجراءات العقابية التي تصل لغرامة مالية تقدر ب135 يورو للمخالفين وهؤلاء الذين لا يقدمون تصريحا مكتوبا وزعته الشرطة لتوضيح سبب الخروج.

ومع إجراءات الحظر الصارمة أغلق الكثير من المحلات التجارية والخدمية وأماكن الترفيه والأماكن السياحية والدينية من مساجد وكنائس أبوابها باستثناء المستشفيات والصيدليات وبعض المحلات التجارية والمخابز لتقديم خدماتها ولكن بإجراءات صارمة، وقبل بدء أولي ساعات الحظر تهافت المواطنون بشكل هستيري علي المحلات والصيدليات لشراء احتياجاتهم من خلال طوابير طويلة بسبب إجراءات الدخول الصارمة ومنعا لتفشي المرض قبل أن تغلق تلك المحلات أبوابها، هذا وقد سبق أن اتخذت فرنسا إجراءات احترازية بشأن إغلاق المدارس والجامعات ودور العبادة والأنشطة الثقافية والمتاحف وغيرها من الأنشطة خوفا من انتشار المرض، ومع معايشة الفرنسيين للبقاء في منازلهم وتغيير نمط عيشهم وسلوكهم يعيش الفرنسيون أسوأ أيامهم، إذ لم يسبق لهم ولغيرهم أن يمروا بتلك التجربة بعد تعودهم علي حياة العمل والسهر والمرح والمشاركة في الأنشطة الثقافية والتنقل في باريس ومدنها، وهي تجربة بدت مريرة بدرجة لم يشهد مثيل خلال الحربين العالميتين وعلي هذه الدرجة من تعطيل الحياة لها البشرية ولا يوجد لها مثيل في الذاكرة الشعبية الفرنسية المعاصرة.
وبرغم أيام الحجر المنصرمة إلا أن فرنسا مازالت تسجل نسبة عالية من الإصابات والوفيات بعد أن أصبحت من أكثر البلدان الأوروبية تضررا بعد كل من إيطاليا وأسبانيا، إذ بلغ عدد الوفيات بها 370 حالة وتخطي عدد الإصابات لأكثر من 11 ألفا و500 حالة بعضها في حالة الخطر.

واستجابة لما تقره السلطات الفرنسية من تدابير احترازية لمقاومة انتشار الفيروس دعا رئيس مجلس الديانة الإسلامية الدكتور محمود موسوي وبالتنسيق مع أئمة المساجد بفرنسا بعد تنفيذهم لقرار منع الصلوات بالمساجد والالتزام بقرار وزارة الصحة الفرنسية بعدم القدرة علي إجراء الغسل الشرعي للمتوفي من المسلمين أو حتي بمشاركة ذويه في مراسم الجنازة تجنبا لانتشار المرض وإصابة الأطقم الصحية وغيرهم من المشاركين، وبالمقابل قيام الفرنسيين بتقديم العزاء والمشاركة في عزاء ذويهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وبرغم كل تلك الإجراءات الصارمة التي تقوم بها السلطات الفرنسية وبرغم ما ستقدمه من عون وتعويض لأصحاب الشركات والأعمال المتضررة والعمل علي مواصلة عمل الكثير من القطاع الاقتصادي لضمان سريان الحياة وتبقي هناك الكثير من المشكلات الاجتماعية التي لم تتوصل الحكومة الفرنسية لحلها ومنها شريحة المسنين وكبار السن الذين يعانون في أماكن إقامتهم من قلة في التدابير الوقائية والإنسانية بسبب انتشار كورونا، ومثل هؤلاء الآن يعيشون بمفردهم ولذلك فهم معرضون للخطر ليس بسبب كورونا فحسب وإنما بسبب معاناة العزلة والخوف وسوء التغذية وحالات الاكتئاب التي يعيشونها، وكذلك المهمشون بالشوارع والذين لا يجدون المأوي والمأكل، وهؤلاء أيضا عرضة للأخطار ولا يلتزمون بإجراءات الحجر الصحي، ومن جهة أخري فإن سكان الأرياف بالمدن الفرنسية يخشون من حركة النزوح الكثيفة من سكان المدن الفرنسية للخوف من معايشة التدابير الوقائية، ولهذا فإن سكان الريف يتخوفون من نشر القادمين للفيروس في وقت مازالوا يمارسون فيه أنشطتهم الرياضية والبحرية علي شواطئ البحر بالجنوب الفرنسي، مما اضطر مدينة نيس الفرنسية لاتخاذ مبادرة فريدة من نوعها وتقضي بإطلاق طائرة من دون طيار تحلق فوق شواطئ مدينة نيس بالجنوب وتحذر الناس من عدم الالتزام بالحجر الصحي والعودة لبيوتهم.
هذا وقد شهدت الأيام الماضية بفرنسا اجتماعات وقرارات هامة برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يتحرك في كافة الاتجاهات مع حكومته لمواجهة الفيروس والحد من انتشاره، ومن ذلك اجتماعه الهام صباح الجمعة الماضي الموافق للعشرين من مارس الجاري مع وزرائه بمجلس الأزمات المشتركة لبحث الأمر واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة، ولاحقا بترؤسه لاجتماع مجلس الدفاع بهدف مناقشة مبدأين أساسيين يتمحوران حول إمكانية تمديد فترة الحجر الصحي والتشديد علي تنفيذ الإجراءات بحسم، وقد دعا الرئيس ماكرون الوزراء لمضاعفة الجهود في تلك المرحلة التي تستوجب التعبئة العامة في كل المرافق الحيوية وداعيا في الوقت نفسه الأوروبيين للتوحد معا حول تلك الأزمة ومشددا علي منطقة اليورو أن تقدم الدعم المطلوب والتدابير اللازمة للحد من انتشار الوباء والحفاظ علي الاقتصاد الأوروبي وعدم السماح بتعرضه للانهيار، وكان وزير الاقتصاد الفرنسي برنو لومير قد أعلن في كلمة له من داخل الجمعية الوطنية الفرنسية أن فيروس كورونا يهدد منطقة اليورو وعليها أن تتحد معا لمواجهة الأزمة للخروج منها منتصرة وتجنب الشقاق والتعرض للخطر، وبالفعل فقد أعلن المصرف الأوروبي المركزي تقديم برنامج دعم مالي بقيمة 750 مليار يورو للحد من التداعيات الاقتصادية بالدول الأوروبية وبرغم الانتقادات الموجهة من قيادات المعارضة والنقابات الفرنسية بشأن قصور الدولة في تحركها وتأخرها لمواجهة الوباء واتهامها في التقصير في توفير المستشفيات والأسرة والأقنعة والطواقم الصحية، بعد تقديم الصين لتلك المساعدات مؤخرا لفرنسا، وأيضا بانتقاد الحكومة بعدم تقديم الضمانات الصحية اللازمة تجاه العاملين في المجال الطبي ومجال النقل والمواصلات العامة وغيرها من الأعمال الخدمية التي مازالت تقدم خدماتها وقد دعا الفرنسيون تدريجيا إلي التعود علي تدابير الحجر الصحي ومواصلة حياتهم من داخل منازلهم وسط حصار هذا الفيروس، والاستعانة للتواصل فيما بينهم بشبكات التواصل الاجتماعي لعدم القدرة علي التنقل وغيرها من أساليب المرح بالمنازل والنوافذ والحديث مع بعضهم البعض لمحاربة الاكتئاب والرتابة والإحباط وتلك الحياة القاسية التي لم يعيشوها علي هذا النحو القاسي من قبل.

التعليقات
أضف تعليق