مـقـالات

ليلة القدر.. هدية السماء إلي الأمة المُحمدية
الأحد 17/5/2020 الساعة 7:06 مساء
صالح أبومسلم

تعتبر ليلة القدر من أعظم الليالي من حيث القدر، والمنزلة العالية عند المسلمين جميعًا، لما لا وهي الليلة التي نزل فيها  القرآن حتي جعلها الله في قرآنه خير من ألف شهر، كما أن منزلتها وفضلها واستجابة الدعاء فيها سيظل إلي يوم الساعة، ولذلك فهي تعتبر منحةً من الله للأمة المحمدية، فحسب المرويات الدينية أن جبريل عليه السلام قد أنزل القرآن إلي مكان من سماء الدنيا يسمي بيت العزة، ومنه صار جبريل ينزل علي سيدنا محمد القرآن متفرقًا حسب الأسباب، والحوادث ومكان النزول. وتلك الليلة لها قدر، ومنزلة منذ فجر الإسلام وإلي يومنا هذا لما فيها من أجر عظيم، ودعاء مستجاب شريطة أن يكون مقرونًا بزيادة العبادة، والتقرب خلال ليلها إلي الله، فعن الرسول 'ص' أنه قال 'من قام ليلة القدر إيمانًا، واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه'، وعن السيدة عائشة أنها سألت الرسول 'ص' بأنها إن علمت ليلة القدر فبماذا تدعو فقال 'ص' قولي 'اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنا'.. وكان دعاء الرسول 'ص' المستحب فيها وفي غيرها 'ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار'. وقد سأل عبد الله بن أنس الرسول 'ص' فقال أخبرني يا رسول الله في أي ليلة تبتغي فيها ليلة القدر فقال 'ص': 'لولا أن يترك الناس الصلاة إلا تلك الليلة لأخبرتك'، ويقال إنه من رأي شيء من علاماتها فقد حصل له رؤيتها، ومن علاماتها قوة النور، والنجوم في ليلتها، ولا يستطيع الشيطان خلالها أن يقوم بأي أذي للإنسان حتي مطلع الفجر تصديقًا لقول الله 'سلام هي حتي مطلع الفجر'، ويكون فيها المؤمن منشرح الصدر، وتصبح الرياح خلالها ساكنة كما تكون السماء صافية، ويكون المناخ معتدلاً لا هو بالبارد ولا هو بالحار، ولا تنبح الكلاب في ليلتها، ومن العلامات اللاحقة لها هو طلوع الشمس صبيحة ليلة ظهورها بلا شعاع أو احمرار، ومن اجتهد في القيام والطاعة ونال حظ لقاءها فإنه مستجاب الدعاء والأجر العظيم عند الله. إنها ليلة اتصال الروح بين الأرض والسموات العلا لأن حدث نزول القرآن علي سيدنا محمد لم تشهد الأرض مثله، ويصبح خلال ليلها الملائكة لذلك في غدو، ورواح بين السماء والأرض، كما أن اسمها يدل علي التقدير والتدبير، وعلو القيمة والمقام، وتفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري ونورها الذي يسري علي الوجود كله، كما أن تحريها، وحسب المرويات عن عائشة رضي الله عنها عن الرسول 'ص' قال 'تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان' رواه البخاري، وكان الرسول 'ص' يجتهد في العشر الأواخر من رمضان بأكثر مما يجتهد في غيرها من العام، وكان يوقظ أهله، ويشد مئزره، ويفضل فيها أن يجتهد المسلم طوال الليل، وحتي مطلع الفجر بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، ومنها سورة القدر لمرات عديدة. إن ليلة القدر تعتبر ميزان العام كله، وخلالها يدبر الله أقدار العباد، وأرزاقهم وأحوالهم وحياتهم ومماتهم وغناهم وفقرهم وعافيتهم ومرضهم خلال العام تطبيقًا لقول الله تعالي في قرآنه بسورة الدخان 'حم والكتاب المبين إن أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم'، وفيها أيضًا ينزل جبريل علي عباده بكل أنواع الخيرات، وخلال تحري لياليها تشد الرحال إلي المساجد التي تكون عامرة بأصحابها، ويحتف بهم الملائكة من كل جانب للإطلاع علي العبادة والطاعة واستجابة الدعاء لأن أبواب الجنة في ليلها تكون مفتحة الأبواب تطبيقًا لقول الله تعالي لرسوله 'وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي'، وفي حديث عن أنس رضي الله عنه أن الرسول 'ص' قال 'إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة إلي الأرض يصلون، ويسلمون علي كل عبد قائم أو قاعد علي ذكر الله لأن الله يتجلي بخيره علي عباده الصالحين فيجزي الطائعين منهم خير الجزاء'، وهناك من يجمع علي أنها ليلة السابع والعشرين وغيرها من الوتر من العشر الأواخر حتي اختلفوا فيها، وقد جاءت الحكمة من الله لرسوله بعدم تحديد يومها في ليالي رمضان حتي لا يفتن المسلمون بها، ويظنوا أن العبادة فيها تغني عن العبادة في غيرها مما يدعو المؤمنين إلي الاجتهاد في تلمسها حتي يأتي الأجر بقدر العطاء، وذلك فضل من الله علي الناس ورحمة، وعدل منه لإفساح المجال للتنافس، والاجتهاد في العبادة، وندعو الله أن ننال رؤيتها فندعو فيها ليتقبل الله أعمالنا جميعًا حتي ننال رضاه والجنة.

التعليقات
أضف تعليق