تـقـاريـر

أمريكا تاريخ يمتد لقرون مبني علي العنصرية والقهر والتمييز..
من الهنود الحمر إلي كونتا كينتي إلي مارتن لوثر ووصولا إلي جورج فلويد
الثلاثاء 16/6/2020 الساعة 6:17 مساء
جورج فلويد
صالح ابو مسلم

بعد اكتشاف أمريكا بالقرن الخامس عشر ووصولا إلي عام 1622م قام المستوطنون البيض بعمليات إبادة جماعية وحشية  لسكانها الأصليين المسمون بالهنود الحمر، وقد استمرت عمليات الإبادة والمطاردة والتهجير واغتصاب البيض لأراضي الهنود لعدة قرون وذلك من أجل تأسيس دولتهم الجديدة التي أصبحت تسمي لاحقا بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد أدرك الهنود الحمر أن البيض الوافدين يهددون حياتهم وأمنهم وعاداتهم وطرق معيشتهم في أراضيهم التي تعودوا عليها خلال قرون مضت، مع إنكار البيض لحقوقهم والنظر إليهم باعتبارهم حيوانات ضارية أو وحوش يجب التخلص منها ومطاردتها، ومع زيادة أعداد المهاجرين البيض القادمين من بريطانيا والدول الغربية وتفوق أعدادهم علي أعداد السكان الأصليين بدءوا في اغتصاب الأراضي والممتلكات وقتل الهنود وتهجيرهم قسرا لأكثر من ثلاثة قرون حتي تلاشت قوي الهنود وقل عددهم في المستعمرات والأراضي التي فروا إليها ليقل عددهم من عشرة ملايين إلي 200 ألف شخص، وذلك بعد أن عانوا لقرون من ويلات القتل والتهجير والإزراء لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية علي حساب دمائهم وأشلائهم، وهو نفس السيناريو الذي حدث في أمريكا الجنوبية واستراليا، وفي أفريقيا ودول أسيا خلال عقود الاستعمار، ووصولا الآن إلي ما يحدث لشعب فلسطين الذي يعيش لأكثر من قرن تحت ويلات القتل والتهجير والتهويد والاحتلال بمساعدة من أمريكا ودول الغرب وهؤلاء الذين مكنوا اليهود من إنشاء وطن قومي علي أشلاء دولة وشعب فلسطين، ولتصبح الجريمة التي ارتكبت في حق الهنود الحمر من أبشع جرائم الإبادات التي عرفها التاريخ ولتكون مثالا بغيضا تحتذي به الدول الكبري لتطبقه علي الدول الضعيفة وهو النهج الذي مازالت تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية وتطبقه مع الدول الغربية علي الكثير من البلدان.

فبالرغم من أن الأمة الأمريكية تروج لقيم الحرية والمساواة ونبذ التمييز والتعصب والكراهية فإنها وللأسف هي أول من يتبني مخالفة تلك القيم والاستعلاء علي ما تقره المؤسسات الدولية من حقوق وقوانين، بل وتطبقه داخل أراضيها في المقام الأول انطلاقا من موروث الحقد والكراهية والعنصرية التي يتمسك بها الرجل الأبيض، وانطلاقا من غرور وصلف وعنجهية أمريكا بسبب تفوقها العسكري والاقتصادي علي ثائر بلدان العالم.

ولم تكن جريمة إبادة الهنود الحمر هي الجريمة اللإنسانية الأولي التي قامت بها الولايات المتحدة من أجل تأسيسها وزيادة نفوذها بل جاءت الجريمة الوحشية والعنصرية الثانية في حق الأفارقة وهؤلاء الذين تم اختطافهم قسرا من بلدانهم ونقلهم كعبيد إلي الأرض الجديدة في أمريكا ليقومون تحت ويلات العنصرية والقهر والإزراء بالأعمال الشاقة في زراعة الأراضي الشاسعة بالجنوب الأمريكي ليفلحوا الأرض ويربون المواشي والخيول والأعمال المنزلية وغيرها من أعمال السخرة دون أية حقوق، ووسط معاملة الأسياد للعبيد الذين كانوا أسياد في أوطانهم وذلك بعد أن راجت تجارة العبيد في أفريقيا بداية من عام 1650 علي أيدي البيض المسمون بالطبوب وبخيانة من بعض السود المحللين، إذ كان يقوم البيض المسلحون باختطاف الشباب والأطفال والنساء ونقلهم بالقوة والحديد والنار وفصلهم عن عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم إلي أمريكا عبر سفن الموت حيث عاش من عاش ومات من مات في عرض المحيط بعد أن لاقوا صفوف العذاب والويلات وكل أشكال التمييز والقهر، فلم يترك الأمريكيين البيض وسيلة إجرامية إلا ومارسوها لإخضاع هؤلاء المساكين واستعبادهم بالإكراه والسخرة لتكوين دولتهم الجديدة، ومن خلال تلك الجرائم الوحشية التي ستظل تلاحق كل المجرمين عبر العصور بالولايات المتحدة وهؤلاء الذين ما يزالوا يمارسون القتل والإزراء بدافع التعالي والعنصرية والتمييز الذي يعيش في العقلية الجمعية عند أكثر البيض بالولايات المتحدة، فبالرغم من مما تروج له الولايات المتحدة الأمريكية بدفاعها وتمسكها بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فمازالت رائحة العنصرية وممارستها بأشكالها العفنة تفوح من الكثير من رجالها ومؤسساتها وعلي رأسها مؤسسة الشرطة التي تمارس جرائمها البشعة الغير إنسانية ضد الأمريكيين من أصول أفريقية وأجنبية داخل الولايات المتحدة، وما تعانيه تلك الأقليات من أشكال العنصرية والكراهية والتمييز والفقر والحرمان والبطالة وتدني الخدمات، ولهذا لم تأتي جرائم القتل المتواصلة خلال تلك العقود وخلال السنوات الأخيرة هكذا بل جاءت بسبب تصاعد العنصرية والأحزاب المتطرفة والشعبوية في أمريكا والدول الغربية، وقد زادت حدتها مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسدة الحكم خلال عام 2017 بسبب غروره وصلفه وإطلاقه الكثير من التصريحات والشعارات العنصرية والعدائية ضد العديد من الشعوب والأقليات والعرقيات الأخري بالولايات المتحدة واستهداف الأمريكيين من ذوي الأصول الأجنبية وبخاصة الأفريقية الأمر الذي زاد من حدة واسترجاع العنصرية بقوة من خلال تلك الجرائم المروعة التي تطال الأمريكيين من أصول أفريقية وغيرها من الأقليات التي تعيش في أمريكا وحتي في البلدان الغربية.

ومن تلك الجرائم المروعة التي وقعت مؤخرا بالولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا يوم 25 من مايو الماضي 2020، هي القتل الوحشي العمد الذي قام بها شرطي أمريكي أبيض ووضع ركبته علي رقبة رجل أمريكي من أصول أفريقية يدعي جورج فلويد بمدينة مينيا بوليس بولاية مينسوتا الأمريكية ليلفظ أنفاسه الأخير وهو يردد مقولته الشهيرة ' لا أستطيع التنفس '.

إن تلك الجريمة بقسوتها وعنصريتها وشعارها دفعت الكثير من شعوب الأرض للقيام بالمظاهرات والاحتجاجات القوية في غالبية الولايات المتحدة والكثير من عواصم ومدن العالم ومازالت أصدائها وتداعياتها متواصلة حتي اليوم، ومعها فإن السلطات الأمريكية ومن أجل السيطرة علي تلك التظاهرات العنيفة بالمدن والولايات الأمريكية زادت الطين بلة وراحت لتمارس العنصرية بإنزالها للجيش والحرس الوطني بالشوارع والولايات الكبري لإخماد المظاهرات التي يستمر صداها إلي الآن بسبب الممارسات العنصرية والوحشية التي يرتكبها رجال الشرطة البيض، وبرغم احتدام وسخط الرأي العام العالمي الرافض لتلك التجاوزات فإن تلك الجريمة لن تكون الأولي والأخيرة في قاموس جرائم الشرطة والسلطات الأمريكية، فمن كونتا كنتي هذا الأفريقي الذي تم اقتياده من قريته بدولة جامبيا الواقعة بغرب أفريقيا عام 1766 وبداية ممارسة البيض للرق والعبودية، وما عاناه بطل رواية الجذور التي كتبها المؤلف الأمريكي من أصل أفريقي اليكسي هيلي عام 1976 والتي تحولت لمسلسل تليفزيوني عام 1977 ومهارة المؤلف الذي ينتمي لعائلة كونتا كنتي في أن ينشر خلالها كل أشكال الظلم والقهر والعبودية التي لاقاها الأفارقة من خلال الرحلة التراجيدية المؤلمة خلال ستون عاما عاشها البطل كونتا كنتي تحت وطأة الرق والعبودية، وكيف أن الكاتب تعرض من خلال سرد أحداث حقيقية وقعت بالماضي استرجع خلالها حياة الرق والعنصرية والتمييز خلال القرن السادس عشر قبل أن يتم إلغاء العبودية في أمريكا عام 1865 علي يد الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام كولن، وذلك بعد إجرائه تعديل بالدستور الأمريكي الذي بموجبه حرر الجميع من العبودية.

وبالرغم من مرور كل تلك السنوات علي إلغاء العبودية فماتزال أشكال وممارسة العنصرية تفوح وتمارس من الأمريكيين البيض ضد الأقليات الأخري، فكيف ننسي مارتن لوثر كينج هذا الزعيم الأمريكي من أصول أفريقية المولود عام 1929 الذي عاش حياته كناشط سياسي إنساني ومؤمنا ومدافعا بالعدالة ومطالبا بإنهاء التمييز والعنف والعنصرية ضد السود ليتم اغتياله علي يد رجل أبيض عام 1968 حتي راح ضحية قضيته، وكيف لنا أن ننسي جريمة مقتل الشاب الأمريكي من أصل أفريقي مايكل براون في أغسطس عام 2014 برصاصات شرطي أمريكي أبيض بمدينة فيرغسون الأمريكية دون مبرر، بل وبدون إجراء محاكمة عادلة لرجل الشرطة القاتل دلالة التمييز والقهر، وتحديد المعاملات علي أسس العرق والدين واللون، وها نحن اليوم أمام جريمة خنق الشرطي الأمريكي وإزهاقه دون مبرر لروح أمريكي من أصل أفريقي مع أصداء صرخاته المدوية التي حركت شعوب الأرض ضد العنصرية الأمريكية والتي استرجعت أيضا هذا التاريخ الأسود وتلك الجرائم البشعة التي ارتكبها الأمريكيين في حق الكثير من الشعوب، إنها الجريمة التي جعلت العالم كله يخرج ويعبر عن سخطه وغضبه عبر الاحتجاجات والمسيرات وغيرها من وسائل التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليقولوا للسلطات الأمريكية وقيادات الدول الغربية ولكل المتعالين والمتغطرسين توقفوا عن ممارسة تلك العنصرية التي مازالت تفوح منكم، وتوقفوا عن بس شعاراتكم الزائفة عن الحرية والمساواة والديمقراطية وعن تلك الجرائم البشعة والإبادات التي ترتكب في حق الإنسانية.

كونتا كنتي بطل رواية الجذور
التعليقات
أضف تعليق