تـقـاريـر

من فجر مرفأ بيروت؟
الأثنين 10/8/2020 الساعة 1:54 مساء
صالح ابو مسلم

منذ أكثر من ثلاثين عاما مضت يدرك أبناء الشعب اللبناني حقيقة مؤلمة ألا وهي عدم معرفته للجناة الحقيقيين الذين 
قاموا بالكثير من الأحداث والعمليات التخريبية والاغتيالات التي طالت الكثير من القيادات والرموز اللبنانية برغم إجراء السلطات للعديد من التحقيقات التي لم تتوصل يوما إلي أية نتائج، وبناء علي تلك الوقائع فان الخبراء والمحللين يرجعون ذلك إلي تعمد الكثير من الساسة والقائمين علي النظام في لبنان خلال تلك السنوات علي إتباع نهج سياسي واحد وهو العمل علي طمس الحقائق من خلال تمييعها وتشتيت فكر المواطن اللبناني نحو قضايا أخري مع رفض إشراك المجتمع الدولي في إجراء التحقيقات لتصبح تلك السمة غالبة علي نهج كل الحكومات التي تعاقبت علي لبنان خلال تلك العقود.

ومن تلك الأحداث الكارثية الانفجار المدوي الذي وقع مؤخرا يوم الأربعاء الماضي الموافق للرابع من شهر أغسطس الجاري في مرفأ بيروت والذي أدي إلي تدمير المرفأ بشكل كلي والتسبب في قتل وإصابة وتشريد الآلاف من المواطنين اللبنانيين، وإصابة العاصمة بيروت ومينائها الشهير بالشلل التام، ومع وقوف دول العالم وتضامنه مع لبنان في محنته تتجه أنظار اللبنانيين والعالم لمعرفة حقيقة الأسباب التي تقف وراء هذا الانفجار الغير مسبوق سواء كان عملا تخريبي متعمدا، أو وقع بسبب الإهمال، أو باتهام أيادي خارجية، وأمام هذا الخراب والدمار وخلال الأيام الماضية بدي مكان الانفجار مسرحا مفتوحا علي مصرعيه للعبث به ودخول عناصر من حزب الله إلي الميناء وإزالة الكثير من المواد الهامة والمتعلقة بالتحقيقات ورفض دخول الكثير من البعثات الدولية المختصة بالإغاثة ورجال الإعلام إلي عين المكان، مع رفض السلطات اللبنانية بإشراك المجتمع الدولي في إجراء التحقيقات، وبتنصل المسئولين ورؤساء الحكومات السابقين عن تحمل مسئوليتهم تجاه تخزين تلك المواد الخطرة وغيره داخل الميناء خلال تلك السنوات وهو الأمر الذي تسبب في زيادة فجوة عدم الثقة بين المواطنين اللبنانيين ورجال النظام.

ومع وقوع هذا الانفجار الغير مسبوق في لبنان يتساءل الكثير من الخبراء والمحللون عن سبب توقيت هذا التفجير وعمن يقف ورائه وعن الأهداف الحقيقية والأيادي الخفية التي تقف ورائه ولا ندري في الواقع ما إذا كانت إسرائيل هي التي فجرته بنفسها أو من خلال عملائها، أو من طرف آخر محلي أو دولي؟ ومع كل تلك الفرضيات المنطقية فان السلطات في لبنان سعت وقبل نتائج التحقيق إلي استبعاد تلك الفرضيات، وأرجعت أساب وقوع الانفجار إلي الإهمال المتعلق بوجود ٢٧٥٠ طن من نيترات الأمونيوم في احد مستودعات المرفأ منذ العام 2014دون اتخاذ التدابير اللازمة وادعاء الكثير من السياسيين وقيادات الأحزاب اللبنانية بعدم معرفتهم بتخزين تلك المواد.

ومع كثرة التكهنات والتأويلات حول الجهة التي تقف وراء التفجير يرجح الكثير من أبناء الشعب اللبناني والكثير من أراء الكتاب والمحليين وأجهزة الاستخبارات الدولية بمسؤولية حزب الله اللبناني بالقيام بهذا التفجير، ومن ذلك أن ذهب البعض إلي حد الإيحاء بان الحزب هو من افتعل التفجير لقلب المعادلة في لبنان، ولهذا رفعت الحناجر اللبنانية المخلصة بالمطالبة بإجراء تحقيق دولي أمام رفض الحكومة ذلك، برغم أن هذه المطالبة بتحقيق دولي من شأنها أن تمهد لرفع الضغوط الدولية علي لبنان بغية ضبط المعابر الشرعية والقبول بقوات دولية حتي عند الحدود السورية اللبنانية، كما يرجع بعضهم اتهام حزب الله بالوقوف وراء التفجير بسبب اهتمام شراء حزب الله لمادة نترات الأمونيوم خلال السنوات الماضية معتمدين في ذلك علي وقائع سابقة ومثبتة لتصرفات الحزب، ومنها أن سبق واعتقل أحد عناصره في قبرص عام 2012 وصودرت لديه 8.4 طنا من هذه المادة، وفي عام 2015 اعتقل ثلاثة من عناصر الحزب في الكويت، كما صودرت من قبل كميات كبيرة من تلك المادة تخص هذا الحزب في أكثر من بلد غربي، ناهيك عن تنويه حسن نصر الله في احد خطاباته بتفجير مخازن الأمونيا لإسرائيل علي شواطئ حيفا وبما يشابه نفس السيناريو، وهناك من يرجع احتمالية قيام حزب الله بتلك الأطنان المخزنة من اجل التغطية أو التمويه علي خططه ومآزقه وتعمده إلي خلط الأوراق وخلق أزمة جديدة لصرف النظر عن الأزمات الداخلية والدولية التي تلاحقه وأهمها العمل علي تفكيكه وعزله عن إيران، كما يشير بعض المحللين إلي تنامي قوة حزب الله بدرجة خطيرة وتغلغله وسيطرته علي غالبية المؤسسات اللبنانية ومنها سطوته علي الموانئ والمطارات اللبنانية وعلي قوته الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تتفوق علي الدولة اللبنانية الآن والتي يستخدمها لتنفيذ أجنداته الداخلية والخارجية وفقا لما تقره إيران وما تقوم به من إرهاب إقليمي ودولي الأمر الذي يثير حفيظة المجتمع الدولي ويجعله غير متحمسا لمساعدة لبنان في اجتياز محنته، كما يرجح بعض الخبراء والمحللين أيضا بمسئولية حزب الله عن تفريغ تلك الشحنة أواخر العام 2013، وبالتالي عن تفجير الميناء وبمسئولية الحزب عن استخدامه وتوظيفه لأطنان نترات الامونيوم وغيرها من المواد والمتفجرات داخل الميناء، والي الربط بين ميقات وموعد التفجير يوم 4 أغسطس وبين موعد انعقاد وصدور حكم العدالة الدولية بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ورفاقه ومسئولية خمسة من عناصر ومجرمي الحزب لمسئوليتهم عن مقتل الحريري ورفاقه، وتداعيات ذلك علي مستقبل الحزب المحارب والمرفوض من المجتمع الدولي، ولهذا يرجح الخبراء والمحللون أن يكون ما جري في مرفأ بيروت مجرد لعبة من ألاعيب الحزب وجرائمه بدافع صرف الأنظار عن تداعيات الحكم المرتقب صدوره من المحكمة الدولية، ولتخويف الحزب لرجال السلطة في لبنان، ومن ثم توظيف الفراغ السياسي والأمني الذي تمر به لبنان لصالحه.
وبالنظر إلي تاريخ تأسيس هذا الحزب الذي يرجع للعام 1985 تحت شعار ما يسمي المقاومة الخادعة، وبتسلَّطه خلال تلك السنوات علي الحكم في لبنان يتضح للقاصي والداني تكرار العمليات الإرهابية والكثير من الاغتيالات السياسية وعن هذا الخراب الذي أحل بلبنان خلال عهد هذا الحزب، ناهيك عن تسببه بالزج بلبنان للدخول مع إسرائيل في حروب دامية وغير مبررة، وإرسائه لثقافات ظلامية لا تمت بصلة إلي عروبة وتاريخ وتقاليد لبنان، هذا البلد الذي كان يتباهي يوما بالتعددية والعيش المشترك وبعدم وجود الطائفية فيه وانفتاحه علي بلدان العالم.
ولهذا لم تنجلي هذه المرة رمي التهم جزافا علي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لتأكد الكثيرين بأنّ الانفجار ناجم عن مخزن سلاح لحزب الله في مرفأ بيروت وبتحميلٍ مباشر للحزب وقيادته بالمسؤوليّة عنه، ولهذا وبسبب انعدام الثقة بين الشعب وبين الطبقة الحاكمة من جهة وبين المجتمع الدولي وبين النظام اللبناني من جهة أخري تتعالي الأصوات في لبنان وفي المؤسسات الدولية بمطالبة إجراء تحقيق دولي من أجل معرفة ما جري بالتفصيل يوم الرابع من أغسطس قبل انفجار العاصمة، بالرغم من رفض السلطة لهذا التوجه الأمر الذي يزيد الشكوك حول الطبقة الحاكمة وبالتحديد علي علاقتها المريبة مع حزب الله، فبينما ينشغل اللبنانيون هذه الساعات بلملمة جراحهم، ودفن ضحاياهم، تحوم أصابع الاتهام حول اتهام حزب الله بالقيام بهذا العمل الإجرامي باعتباره الحزب الوحيد المسلح في البلاد والمسيطر أمنيا علي الكثير من مفاصل الدولة اللبنانية، فضلاً عن سيطرته وتحكمه في المطارات والمرافئ.
ومع زيادة موجة الاتهامات لم يتردد حسن نصر من الظهور بعد الانفجار بثلاثة أيام علي شاشات الإعلام وإلقائه خطبة ينفي خلالها وكسابق عهده مسئولية حزبه عن الجرائم والاغتيالات ومنها مؤخرا بعدم معرفته لمخزن الامونيوم وبعدم سيطرته علي المرفأ الأمر الذي جعل عدد كبير من السياسيين والأمنيين اللبنانيين يكذبون رواياته ويؤكدون علي مسئوليته عن هذا الانفجار المدوي وعن الكثير من المآسي والجرائم التي وقعت بلبنان، ومنها اتهام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بوجود علاقة غامضة ومريبة بين حزب الله وسلطات الدولة اللبنانية وبعدم تصديقه لرواية حسن نصرا لله، ومشيراً إلي أن جهة ما تخزن هذه المواد دون النظر لمصلحة البلاد.
وللأسف فلقد أدي هذا الانفجار الكبير إلي إحداث خراب كبير ببيروت، خراب يشبه لما خلفته قنبلة هيروشيما وناجازاكي باليابان مع مقتل154 شخصاً من اللبنانيين والأجانب علي الأقل وإصابة أكثر من شخص5000، وفق حصيلة مؤقتة، إذ لا يزال العشرات في عداد المفقودين، فيما بات مئات الآلاف بدون مأوي.

وبسبب حجم وخطورة تلك الكارثة وانعكاساتها السلبية علي لبنان وتهديها للأمن والسلم الدوليين فقد ولد الانفجار غضباً شعبياً عارماً تجاه الطبقة السياسية الحاكمة المتهمة بالتقصير وبالمسؤولية عن دمار العاصمة، كما طالب غالبية أبناء الشعب اللبناني المدعوم من المجتمع الدولي بوضع حد لحزب الله والدعوة إلي تفكيكه وعزله عن إيران، وبدعوته إلي تغيير الطبقة الحاكمة والمضي نحو عهد وميثاق لبناني جديد بعيد عن العائلات والتكتلات والطائفية والمحاصصة التي تتحكم منذ عقود في مصير الشعب اللبناني والمسئولة عن تردي أوضاعه الكارثية، وهو الأمر الذي ظهر جليا خلال الزيارة الميدانية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتضامنه مع الشعب اللبناني وهو ما يتوافق مع إرادة المجتمع الدولي الرافض للسياسات المتعاقبة للحكومات اللبنانية وتحميلها مسئولية انهيار الأوضاع في لبنان، إضافة إلي رفض الشعب اللبناني لتعاظم دور حزب الله في لبنان واتهامه بتقويض السلام والأمن في المنطقة باعتباره منظمة إرهابية وأيدي من أيادي إيران الإجرامية ومن ثم اتهامه صراحة بالمسئولية عن تفجير مرفأ بيروت.

التعليقات
أضف تعليق